2707 إعدامات في عام واحد.. المغرب بين وقف التنفيذ ومطلب الإلغاء النهائي
في اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام، تتجدد الدعوات الحقوقية إلى تحويل وقف التنفيذ المستمر منذ 1993 إلى إلغاء تشريعي نهائي، في وقت تكشف فيه الأرقام الدولية عن تصاعد الإعدامات، وتضع المواقف المغربية الأخيرة السياسة الجنائية للمملكة أمام اختبار حاسم بشأن حماية الحق في الحياة.
يحل اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام، الذي يصادف 10 أكتوبر من كل سنة، في سياق دولي تتعايش فيه مفارقتان واضحتان: ارتفاع غير مسبوق في عدد الإعدامات المسجلة خلال السنوات الأخيرة، مقابل استمرار الاتجاه نحو إلغاء هذه العقوبة في عدد متزايد من دول العالم. وبين هذين المسارين، يعود النقاش في المغرب إلى واجهة الاهتمام الحقوقي والتشريعي، مع استمرار وقف تنفيذ أحكام الإعدام منذ غشت 1993، دون أن يقترن ذلك بإلغاء العقوبة من القانون الجنائي.
وفي رسالة توصلت بها “البوصلة” من منظمة العفو الدولية بالمغرب بمناسبة هذه المناسبة، جددت المنظمة موقفها الرافض لعقوبة الإعدام، معتبرة أنها تمثل انتهاكا لحقوق الإنسان، وفي مقدمتها الحق في الحياة والحق في عدم التعرض للتعذيب أو المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وهي حقوق يكفلها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
ونقلت الرسالة عن الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية، أنياس كالامار، قولها: “إن نضالنا ضد هذه العقوبة البغيضة يتكلل بالنجاح. سنواصل العمل حتى نضع حدا لعقوبة الإعدام“.
ويعكس هذا الموقف إصرار الحركة الحقوقية على تجاوز الاكتفاء بوقف تنفيذ الإعدامات، نحو إلغاء العقوبة نهائيا من التشريعات الوطنية، انطلاقا من اعتبار أن العدالة لا تحتاج إلى سلب الإنسان حياته، وأنه لا توجد طريقة إنسانية لتنفيذ الإعدام. وفي الحالة المغربية، يتجاوز النقاش مسألة تنفيذ العقوبة إلى سؤال أعمق يتعلق بمدى انسجام النصوص الجنائية مع الالتزامات الحقوقية والدستورية للمملكة.

2707 إعدامات في سنة واحدة.. تصاعد مقلق في الحصيلة الدولية
كشف تقرير منظمة العفو الدولية “أحكام وعمليات الإعدام في 2025”، الصادر في 18 ماي 2026، عن تسجيل ما لا يقل عن 2707 عمليات إعدام في العالم خلال السنة الماضية، بزيادة بلغت 78 في المائة مقارنة بسنة 2024، التي سجلت خلالها المنظمة ما لا يقل عن 1518 عملية إعدام. وتمثل حصيلة 2025 أعلى رقم سنوي ترصده المنظمة منذ سنة 1981.
ووفق التقرير، نُفذت الإعدامات المسجلة في 17 بلدا، فيما صدرت أحكام جديدة بالإعدام في حق ما لا يقل عن 2334 شخصا في 48 بلدا، وبلغ عدد الأشخاص المعروف أنهم كانوا تحت حكم الإعدام عند نهاية 2025 ما لا يقل عن 25508 أشخاص.
وتصدرت إيران قائمة البلدان التي سجلت أكبر عدد من الإعدامات خلال السنة، بما لا يقل عن 2159 حالة، تلتها السعودية بـ356 حالة على الأقل، ثم اليمن بـ51 حالة، والولايات المتحدة الأمريكية بـ47 حالة. كما وثقت المنظمة ما لا يقل عن 1257 إعداما على خلفية جرائم مرتبطة بالمخدرات، في مؤشر يعيد طرح التساؤلات الحقوقية بشأن نطاق الجرائم التي يمكن أن تبرر تطبيق هذه العقوبة.
ولا تشمل الحصيلة المعلنة آلاف الإعدامات التي تعتقد المنظمة أنها نُفذت في الصين، كما تعذر عليها التحقق من أرقام موثوقة في بلدان أخرى، من بينها كوريا الشمالية وفيتنام. ولذلك، فإن الرقم الإجمالي المعلن يظل حدا أدنى موثقا، وليس إحصاء شاملا لكل عمليات الإعدام التي شهدها العالم.
في المقابل، يستمر الاتجاه نحو الإلغاء؛ فبعد دخول إلغاء عقوبة الإعدام في لبنان حيز التنفيذ في غشت 2026، ارتفع عدد البلدان التي ألغت العقوبة كليا إلى 114 بلدا، فيما بلغ عدد البلدان التي ألغتها في القانون أو الممارسة 146 بلدا، مقابل 53 بلدا لا تزال تحتفظ بها للجرائم العادية.
وتسلط هذه المؤشرات الضوء على اتساع الفجوة بين الدول التي تمضي في التخلي عن العقوبة، وتلك التي لا تزال تلجأ إليها، كما تعيد النقاش بشأن جدواها في حماية المجتمع وتحقيق الردع، ومدى توافقها مع ضمانات المحاكمة العادلة والحق في الحياة.
المغرب.. وقف التنفيذ لا يعني إلغاء العقوبة
في المغرب، يعود آخر تنفيذ معروف لعقوبة الإعدام إلى 9 غشت 1993، حين أعدم محمد تابث، المفوض السابق للشرطة، رميا بالرصاص داخل السجن المركزي بالقنيطرة. ومنذ ذلك التاريخ، لم تنفذ السلطات المغربية أحكام إعدام جديدة، غير أن المحاكم واصلت إصدار هذه العقوبة في قضايا جنائية، وظلت النصوص القانونية التي تسمح بها قائمة.
وتتجلى المفارقة في أن الفصل 20 من دستور 2011 ينص على أن “الحق في الحياة هو أول الحقوق لكل إنسان، ويحمي القانون هذا الحق”، بينما لم يترجم هذا المقتضى الدستوري إلى إلغاء كامل لعقوبة الإعدام من المنظومة الجنائية. فالمغرب، وفق تصنيف منظمة العفو الدولية، من البلدان التي ألغت العقوبة في الممارسة، لا في القانون، أي إنه توقف عن تنفيذها، دون أن يتخلى عنها تشريعيا.
وتبرز معطيات التقرير السنوي للمنظمة هذه المسافة بين وقف التنفيذ والإلغاء القانوني. ففي تصنيفها المتعلق بالمغرب والصحراء الغربية، لم تسجل المنظمة أي إعدام منفذ خلال سنتي 2024 و2025، لكنها سجلت صدور حكمين جديدين على الأقل خلال 2024، وحكم واحد خلال 2025. كما بلغ عدد الأشخاص المعروف أنهم كانوا تحت حكم الإعدام عند نهاية 2025 ما لا يقل عن 63 شخصا، مقابل 88 شخصا عند نهاية 2024.
وخلال يناير 2026، عاد هذا الملف إلى الواجهة مع تأييد محكمة الاستئناف بالدار البيضاء أحكام الإعدام الصادرة في حق المتهمين الرئيسيين في قضية مقهى “لاكريم” بمراكش. ويبرز هذا المستجد أن وقف التنفيذ لا يعني توقف القضاء عن إصدار العقوبة أو تأييدها، وأن احتمال تطبيقها يظل قائما من الناحية القانونية ما دامت منصوصا عليها في التشريع.
وهنا يكمن جوهر المطلب الحقوقي: فالتوقف عن تنفيذ الإعدامات، على أهميته، لا يوفر الضمانة القانونية نفسها التي يحققها الإلغاء النهائي. إذ تبقى الأحكام الصادرة قائمة، ويظل المحكوم عليهم تحت وطأة عقوبة لا رجعة فيها، بينما تظل إمكانية العودة إلى تنفيذها قائمة من الناحية القانونية.

من المواقف الدولية إلى الإصلاح التشريعي
شهد الموقف المغربي من عقوبة الإعدام تحولا على المستوى الدبلوماسي في دجنبر 2024، عندما صوتت المملكة لأول مرة لصالح قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الداعي إلى وقف عالمي لتنفيذ العقوبة، بعد امتناعها عن التصويت على القرارات السابقة ذات الصلة. واعتبر المجلس الوطني لحقوق الإنسان هذه الخطوة محطة مهمة في مسار الترافع من أجل حماية الحق في الحياة.
وفي 7 أكتوبر 2025، صوت المغرب أيضا لصالح القرار 60/17 الذي اعتمده مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بشأن مسألة عقوبة الإعدام، وحصل على 31 صوتا مؤيدا مقابل سبعة أصوات معارضة وثمانية امتناعات.
وفي 30 يونيو 2026، أعلنت وزارة العدل أن الوزير عبد اللطيف وهبي أكد، خلال المؤتمر الدولي التاسع حول إلغاء عقوبة الإعدام في باريس، أن النقاش المغربي يندرج ضمن مقاربة تقوم على الحوار والتدرج والتوافق، بمشاركة المؤسسات الدستورية والفاعلين السياسيين والقضائيين والجامعيين ومكونات المجتمع المدني. كما أعلن استعداد المملكة لاحتضان الدورة العاشرة للمؤتمر الدولي حول إلغاء عقوبة الإعدام.
وتعكس هذه المحطات انفتاحا متزايدا على النقاش الدولي بشأن مستقبل العقوبة، لكنها لا تعني، من الناحية القانونية، أن المغرب ألغى عقوبة الإعدام أو التزم بموعد محدد لذلك. فالتصويت لصالح وقف التنفيذ يختلف عن إلغاء العقوبة من التشريع الوطني، كما أن احتضان مؤتمر دولي حول الإلغاء لا يعوض الحاجة إلى إصلاح قانوني واضح.
وبين المقاربة الرسمية التي تشدد على الحوار والتدرج والتوافق، والمطالب الحقوقية الداعية إلى حسم الملف تشريعيا، يظل السؤال الأساسي مطروحا: متى ينتقل المغرب من الامتناع عن التنفيذ إلى إلغاء العقوبة نهائيا؟
الحركة الحقوقية: لا يكفي وقف التنفيذ
تتقاطع مطالب منظمة العفو الدولية والمجلس الوطني لحقوق الإنسان والائتلاف المغربي من أجل إلغاء عقوبة الإعدام عند ضرورة تحويل التقدم المسجل في الممارسة والمواقف الدولية إلى مقتضيات قانونية صريحة.
وتعتبر رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، آمنة بوعياش، أن إلغاء عقوبة الإعدام يشكل “الاستكمال الطبيعي والمنطقي لمسار حماية الحق في الحياة”. وفي تصريح سابق لها، دعت إلى ترجمة التقدم المحقق على المستوى الدولي إلى فعل تشريعي ملموس، من خلال الإصلاح المرتقب للقانون الجنائي، معتبرة أن الإبقاء على العقوبة في النص القانوني، رغم وقف تنفيذها، يثير التباسا في ما يتعلق بحماية الحق في الحياة.
من جهته، دعا النقيب عبد الرحيم الجامعي، منسق الائتلاف المغربي من أجل إلغاء عقوبة الإعدام، إلى أن يأتي القانون الجنائي الجديد خاليا من هذه العقوبة. كما شدد على أن التصويت المغربي لصالح قرار وقف التنفيذ الدولي يمثل خطوة إيجابية، لكن المطلوب هو ترجمة هذا الموقف إلى تعديل تشريعي يحسم مسألة الإلغاء.
وعلى المستوى الأكاديمي، دعا العميد يوسف البحيري، الأستاذ بكلية الحقوق بمراكش، في مداخلة خلال يوليوز 2025، إلى إصلاحات تشريعية تتجه نحو الإلغاء، مستندا إلى المعايير الدولية المرتبطة بالحق في الحياة، ولا سيما المادة السادسة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. كما شدد على إمكان استبدال العقوبة بعقوبات سالبة للحرية قادرة على حماية المجتمع دون سلب المحكوم عليه حياته.
أما رسالة منظمة العفو الدولية ما تزال تؤكد أن مطلب المنظمة يتجاوز وقف تنفيذ الإعدامات إلى إلغاء عقوبة الإعدام نهائيا من التشريع المغربي، وإلغاء أحكام الإعدام القائمة أو تخفيفها إلى عقوبات بديلة، فضلا عن انضمام المغرب إلى البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والهادف إلى إلغاء العقوبة.
ويعني ذلك أن مسار الإلغاء، وفق هذه المطالب، لا يتوقف عند تعديل النصوص التي تسمح بإصدار أحكام الإعدام، بل يشمل أيضا معالجة الوضع القانوني للأشخاص المحكوم عليهم بها، وفق مقتضيات تشريعية واضحة تضمن استبدال العقوبة بعقوبات بديلة.
حماية المجتمع وحقوق الضحايا في صلب النقاش
يثير مطلب إلغاء عقوبة الإعدام نقاشا عاما يرتبط بالعدالة والردع وحماية المجتمع وحقوق الضحايا، خصوصا في القضايا التي تتسم بفظاعة الجرائم المرتكبة وما تخلفه من ألم لدى الأسر المتضررة. غير أن مناقشة هذه القضايا تقتضي الفصل بين خطورة الجريمة ومشروعية العقوبة، وبين ضمان حقوق الضحايا والدفاع عن الحق في الحياة.
فالدعوة إلى إلغاء الإعدام لا تعني التقليل من خطورة الجرائم أو تجاهل معاناة الضحايا وأسرهم، كما لا تعني التخلي عن حقهم في الإنصاف والحقيقة والعدالة. بل تقتضي، في المقابل، البحث عن منظومة عقابية تحقق حماية المجتمع والمساءلة والإنصاف، دون اللجوء إلى عقوبة تنهي حياة المحكوم عليه بصورة لا يمكن تداركها إذا ظهرت لاحقا أخطاء قضائية أو معطيات جديدة.
وتزداد أهمية هذه المسألة بالنظر إلى طبيعة عقوبة الإعدام نفسها، إذ لا يمكن إصلاح نتائج تنفيذها بعد وقوعه. ومن هذا المنطلق، تستند أمنيستي، إلى مبدأ أن صون الحق في الحياة يجب أن يظل أساسا موجها للسياسة الجنائية، وأن تحقيق العدالة لا ينبغي أن يتحول إلى إعادة إنتاج العنف من خلال العقوبة.
كما يطرح الملف ضرورة توسيع النقاش العمومي بشأن البدائل العقابية، في ضوء المعايير الدولية والتجارب المقارنة، بعيدا عن الاكتفاء بردود الفعل التي تثيرها الجرائم البشعة. ويظل المطلوب ضمان حقوق الضحايا وأسرهم، وحماية المجتمع، وصون ضمانات المحاكمة العادلة، ضمن سياسة جنائية متماسكة وواضحة.

اختبار الإصلاح الجنائي في المغرب
بعد أكثر من ثلاثة عقود من وقف تنفيذ الإعدامات، يجد المغرب نفسه أمام مرحلة تتطلب الانتقال من المؤشرات السياسية والدبلوماسية إلى حسم تشريعي واضح. فالتصويت لصالح قرارات دولية تدعو إلى وقف التنفيذ، والانخراط في النقاش الأممي، والاستعداد لاحتضان مؤتمر دولي حول الإلغاء، كلها خطوات ذات دلالة، لكنها لا تنهي وحدها استمرار العقوبة في القانون المغربي.
وتتمثل الخطوة الحاسمة، وفق مطالب الحركة الحقوقية، في حذف عقوبة الإعدام من التشريع الجنائي، ومعالجة الأحكام القائمة عبر إلغائها أو استبدالها بعقوبات بديلة، ثم الانضمام إلى البروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وبينما تكشف الحصيلة الدولية المسجلة خلال 2025 عن تصاعد مقلق في عمليات الإعدام، تتيح التجربة المغربية الممتدة منذ غشت 1993 فرصة لمواصلة النقاش بشأن مستقبل العقوبة، ومدى إمكان الانتقال من وقف تنفيذها إلى إلغائها نهائيا.
وفي اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام، لا يتعلق السؤال فقط بما إذا كان المغرب سيواصل الامتناع عن تنفيذ الأحكام، بل بما إذا كان سيحسم وجودها في القانون نفسه. فبين التعهدات الدولية والنصوص الدستورية والمطالب الحقوقية، يبقى التحدي هو تحويل حماية الحق في الحياة من مبدأ معلن وممارسة قائمة منذ عقود إلى اختيار تشريعي نهائي يحدد بوضوح موقع هذا الحق في السياسة الجنائية للمملكة.


