سلسلة: الجودة الشخصية: المقال الرابع: لماذا نعرف ما يجب أن نفعله… ثم لا نفعله؟
حين تتحول المعرفة إلى عبء، وتصبح الخطوة الأولى أصعب من الطريق كله
لماذا نسهر ونحن نعرف قيمة الاستيقاظ المبكر؟
لماذا نؤجل اعتذارًا نعرف أنه قد ينقذ علاقة عزيزة، حتى تتسع المسافة بيننا وبين من نحب؟
ولماذا نتجنب النظر إلى حساباتنا المالية، ونحن نعلم أن ترتيبها ضرورة، خوفًا مما قد نكتشفه؟
هناك مفارقة غريبة في حياة الإنسان. قد يعرف تمامًا ما ينبغي عليه فعله، ويقتنع بأهميته، ويدرك عواقب تأجيله، ثم لا يفعله.
والأغرب أننا نملك أحيانًا قدرة مدهشة على نصح الآخرين في مشكلات نعجز نحن عن حلها في حياتنا.
فأين تكمن المشكلة؟
هل تنقصنا المعرفة؟ أم تنقصنا الإرادة؟
أم أن في داخلنا صراعًا خفيًا بين ما نؤمن به وما اعتدنا عليه؟
موقف يستحق التأمل
في إحدى مراحل حياتي، اكتشفت أنني كنت أشعر بالرضا لمجرد أنني فهمت مشكلة ما، كأن فهمها يعني أنني بدأت حلها.
كنت أضع الخطط، وأرتب الأولويات، وأحدد المواعيد. وعلى الورق كان كل شيء يبدو مثاليًا، أما الواقع فلم يكن دائمًا كذلك.
أتذكر عملًا مهمًا ظللت أؤجله رغم معرفتي بأنه يحتاج إلى وقت وتركيز. وكلما تذكرته قلت لنفسي: سأبدأ حين تتوفر الظروف المناسبة.
مرت الأيام… ولم تأتِ تلك الظروف.
عندها أدركت أنني لم أكن أنتظر الوقت المناسب، بل كنت أهرب من مشقة البداية. لم تكن المشكلة أنني لا أعرف ماذا أفعل، وإنما أنني كنت أخلط بين الاستعداد للعمل والعمل نفسه.
ومنذ ذلك الحين صرت أنتبه إلى حقيقة بسيطة:
قد ينشغل الإنسان بالتخطيط لحياته إلى حدّ لا يجد معه وقتًا ليعيش ما خطط له.
لماذا يقاوم العقل ما يعرف أنه مفيد؟
يرى علم النفس السلوكي أن الإنسان لا يتخذ قراراته بالمعرفة العقلية وحدها. فالمشاعر والعادات والتوقعات والمكافآت القريبة تشارك جميعها في توجيه اختياراته.
ومن هنا يتحدث الباحثون عن «الفجوة بين النية والسلوك»، أي تلك المسافة بين ما ننوي فعله وما ننفذه حقًا.
قد تقرر أن تبدأ ممارسة الرياضة، فيغلبك دفء الفراش في الصباح.
وقد تنوي قراءة كتاب، فيعرض عليك هاتفك متعة أسرع وأقل جهدًا.
وقد ترغب في تطوير مهاراتك، لكنك تفضل البقاء فيما تتقنه، لأن التعلم الجديد سيعيدك مبتدئًا من جديد.
فكثير من النتائج الجيدة تطلب منا جهدًا حاضرًا مقابل مكافأة مؤجلة، بينما تمنحنا العادات غير المفيدة راحة فورية، حتى ونحن نعلم أنها ستكلفنا كثيرًا فيما بعد.
ولهذا لا يكفي أن نقتنع بالفكرة حتى نطبقها.
فالعقل قد يقتنع بالتغيير، بينما يظل السلوك متشبثًا بالمألوف.
الخوف الذي يرتدي ثياب التأجيل
في الدورات التدريبية التي قدمتها، وفي الاستشارات والنقاشات المهنية، لفت انتباهي أن كثيرًا من الناس لا يشكون نقصًا في الأفكار أو القدرات، بل يعجزون عن الانتقال إلى التنفيذ.
أحدهم يريد تأسيس مشروع، فيواصل جمع المعلومات دون أن يخطو خطوة عملية.
وآخر يملك موهبة حقيقية، لكنه لا يعرض أعماله على أحد.
وثالث ينتظر أن تكتمل فكرته قبل أن يبدأ.
قد يبدو هؤلاء حريصين على النجاح، لكن خلف هذا الحرص قد يختبئ خوف: من الفشل، أو من النقد، أو حتى من المسؤولية التي تأتي بعد النجاح.
والخوف لا يظهر دائمًا ارتجافًا أو ترددًا واضحًا. أحيانًا يأتي متخفيًا في عبارات تبدو عقلانية:
«أحتاج إلى مزيد من الدراسة».
«الوقت غير مناسب».
«سأبدأ عندما أكون مستعدًا تمامًا».
لا شك أن بعض القرارات تحتاج فعلًا إلى دراسة وتريّث. لكن السؤال الذي يستحق أن نطرحه على أنفسنا هو:
هل أؤجل لأن الظروف لا تسمح… أم لأنني أخشى مواجهة التجربة؟
وقد تكون الإجابة الصادقة عن هذا السؤال أهم من عشرات الخطط التي نضعها.
لا تنتظر الحماس… اصنع البداية
من الأخطاء الشائعة أن نربط الإنجاز بالحماس، فننتظر صباحًا نستيقظ فيه ممتلئين بالطاقة والرغبة، ثم نبدأ.
غير أن التجربة تعلمنا أن الحماس متقلب، يحضر أحيانًا ويغيب كثيرًا، ولا يمكن أن نبني حياة مستقرة على شعور لا نملك موعد قدومه.
“البداية الصغيرة خير من الخطة الكبيرة التي لا تبدأ.“
أردت أن تكتب كتابًا، فاكتب صفحة.
وإن أردت أن تصلح علاقة، فابدأ بمكالمة صادقة.
وإن أردت أن تنظم حياتك المالية، فاجلس اليوم أمام الأرقام، ولو لم تكن الحلول جاهزة بعد.
وإن أردت أن تطور نفسك، فخصص وقتًا قصيرًا للتعلم، والتزم به قبل أن تفكر في زيادته.
هذه الخطوات لا تضمن النجاح وحدها، لكنها تنقلنا من عالم النوايا إلى عالم الأفعال.
والمسافة بين العالمين هي المسافة بين من يتحدث دائمًا عما سيفعله، ومن بدأ بالفعل.
الجودة الشخصية ليست أن تعرف أكثر
لم يكن الوصول إلى المعرفة يومًا أسهل مما هو عليه اليوم. بضغطة زر نتعلم مبادئ الإدارة والقيادة والتواصل والتخطيط، بل نحصل على برامج كاملة لتطوير حياتنا.
ومع ذلك، لم تجعل سهولة المعلومة تغيير السلوك أسهل بالقدر نفسه.
وهنا أرى أن الجودة الشخصية تستحق أن نتأملها من زاوية أخرى. فهي لا تقاس بما يعرفه الإنسان من نظريات، ولا بعدد ما قرأ من كتب، ولا بما حصل عليه من شهادات، بل تظهر في قدرته على تحويل ما تعلّمه إلى ممارسة يومية.
قد يعرف الإنسان قيمة الصدق، لكن الجودة تظهر حين يقول الحقيقة رغم صعوبتها.
وقد يعرف أهمية الوقت، لكن الجودة تظهر حين يلتزم بموعده.
وقد يتحدث بإعجاب عن التواضع، لكن الجودة تظهر حين يقبل النقد ويعترف بخطئه.
فالمعرفة تمنحنا القدرة على التمييز بين الخيارات، أما السلوك فيكشف أيّها اخترنا حقًا.
السؤال الذي ينبغي أن نختم به يومنا
أقترح عليك تجربة بسيطة.
في نهاية هذا اليوم، لا تكتفِ بسؤال نفسك: ماذا تعلمت اليوم؟
بل اسألها سؤالًا آخر:
“ما الذي كنت أعرف أنه ينبغي عليّ فعله… وفعلته حقًا؟“
قد تكتشف أن أجمل إنجازاتك لم يكن قرارًا كبيرًا ولا مشروعًا ضخمًا، بل خطوة صغيرة انتصرت فيها على عادة قديمة، أو خوف متكرر، أو تأجيل طال أكثر مما ينبغي.
ومع الوقت تتراكم هذه الانتصارات الصغيرة، فتعيد تشكيل علاقتنا بأنفسنا.
فالإنسان لا يتغير لمجرد أنه اكتشف حقيقة جديدة، بل يبدأ تغيره حين يسمح لتلك الحقيقة بأن تغيّر شيئًا من سلوكه.
أن تبدأ قبل أن تكتمل الظروف.
أن تخطو قبل أن يأتي الحماس.
أن تسمّي خوفك باسمه بدل أن تسمّيه حكمة.
أن تفعل اليوم ما تعرفه منذ زمن.
وفي النهاية، ربما لا تكون مشكلتنا الكبرى أننا نجهل الطريق.
ربما تكون أننا نعرفه جيدًا… ثم ننتظر طويلًا قبل أن نخطو خطوتنا الأولى.
د. مريد الكلّاب
خبير الجودة الشخصية


