افتتاحية: حين تفقد السفينة بوصلتها
تبحر الأمم في عباب الزمن كما تبحر السفن في لجج البحر؛ تارة تواتيها الرياح فتستقيم على الجادة، وتارة تعصف بها الأهواء فتتقاذفها الأمواج يمنة ويسرة. وفي كلتا الحالين، لا نجاة للسفينة إلا ببوصلة صادقة تشير إلى الشمال الثابت الذي لا يتبدل بتبدل الفصول وتقلب الأنواء.
وجريدتكم البوصلة اختارت لنفسها هذا الاسم النبيل عن بصيرة لا عن مصادفة؛ إذ الإعلام الصادق بوصلة الرأي العام، يصحح المسار حين يزيغ، ويذكر بالقبلة حين تلتبس الجهات. ومن هذا المنطلق، ارتأيت أن أسهم في هذا المشروع بعمود أسبوعي أسميه البوصلة الأخلاقية، عساه يكون إبرة صغيرة في هذه البوصلة الكبرى، تشير إلى ما غفلت عنه الأفهام في زحمة العناوين العريضة والأحداث الجارفة.
لماذا الأخلاق اليوم؟
لست في حاجة إلى بسط الشكوى من ترهل النسيج الأخلاقي في مجتمعاتنا؛ فالقارئ الكريم يعايش ذلك كل يوم: في لغة التواصل التي صارت ساحة اقتتال، وفي المعاملات التي غلب عليها الغش والمراوغة، وفي الفضاء العام الذي تضايقت فيه مساحات الحياء والتوقير والرفق. ولست أقول ذلك تشاؤما ولا تجنيا على الناس، بل تشخيصا صادقا لحال يجمع العقلاء على خطورته.
غير أن ما يقلقني أكثر من فساد الأخلاق ذاتها هو فقدان المرجعية الأخلاقية؛ أي انقطاع الصلة بالتراث الروحي والأدبي الذي ربى أجدادنا على المروءة والإيثار ومراقبة الله في السر والعلن. لقد صارت الأخلاق عند كثير من المعاصرين خطابا إنشائيا مجردا، أو قواعد سلوكية مستوردة لا جذر لها في التربة الروحية للأمة، بينما كان آباؤنا يرون في الأخلاق ثمرة طبيعية لشجرة أصلها ثابت في القلب وفرعها في السماء.
التصوف المغربي: مدرسة الأخلاق المنسية
هنا بالضبط يأتي دور التصوف المغربي، لا بوصفه طقوسا وخرافات كما يروج بعض الجاهلين، بل بوصفه أعظم مدرسة أخلاقية عملية عرفها المغرب عبر تاريخه. فالتصوف في جوهره كما عرفه أبو القاسم الجنيد رضي الله عنه أن يوجدك الحق بلا رسم، وكما لخصه الإمام مالك في كلمته الخالدة:
من تصوف ولم يتفقه فقد تزندق، ومن تفقه ولم يتصوف فقد تفسق، ومن جمع بينهما فقد تحقق.
الإمام مالك
والمغرب والحمد لله أرض خصبة أنبتت من أعلام التزكية والتخليق ما لا يحصى: من أبي العباس السبتي بمراكش الذي جعل من إيثار الفقراء منهج حياة، إلى أبي مدين شعيب الغوث الذي قال: التصوف أخلاق، فمن زاد عليك في الأخلاق زاد عليك في التصوف، مرورا بأبي الحسن الشاذلي المغربي الأصل الذي أرسى قواعد السلوك القلبي في وسط الحياة لا في عزلة عنها، وصولا إلى أحمد بن عجيبة الحسني الذي ألف في التفسير والتصوف ما يشهد بأن العلم والأخلاق توأمان لا يفترقان.
التصوف أخلاق، فمن زاد عليك في الأخلاق زاد عليك في التصوف
أبو مدين شعيب الغوث
ولا أنسى أحمد زروق الفاسي الذي وضع قواعد التزكية في قوالب فقهية محكمة، وابن عطاء الله السكندري الذي تتلى حكمه في زوايا المغرب إلى اليوم وكأنها نزلت بالأمس، وفيها يقول: من أشرقت بدايته أشرقت نهايته، ولا تطلبن عند غيره ما هو موجود عنده.
هؤلاء جميعا لم يكونوا فلاسفة في أبراج عاجية، بل كانوا مربين ومعلمين وخداما للناس، بنوا الزوايا والرباطات لتكون مدارس أخلاق قبل أن تكون أماكن عبادة، وربوا أجيالا على أن العبرة ليست بكثرة الصلاة والصيام وحدهما، بل بصدق المعاملة وحسن الخلق مع الخلق.
ما الذي ستقرؤونه هنا؟
في هذا العمود الأسبوعي، سنسعى معا بحول الله إلى:
- أولا: استلهام نصوص التخليق من تراث التصوف المغربي والمغاربي والعربي والإسلامي عموما، وتقديمها بلغة معاصرة تخاطب هموم القارئ اليوم لا هموم القارئ بالأمس.
- ثانيا: معالجة قضايا أخلاقية راهنة من آداب الحوار إلى أخلاقيات الفضاء الرقمي، ومن صدق المعاملة إلى فقه الاختلاف من خلال عدسة هذا التراث الغني.
- ثالثا: التذكير بأن الأخلاق ليست ترفا فكريا ولا زينة خطابية، بل هي لب الدين وروح الشريعة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.
- رابعا: إبراز البعد العملي والسلوكي للتصوف، بعيدا عن الصورة النمطية التي حصرته في المديح والسماع واللباس، وأعادته إلى حقيقته الأولى: تربية للنفوس وتزكية للقلوب وإصلاحا للمجتمع.
كلمة ختام
أيها القارئ الكريم، أيتها القارئة الكريمة؛
إن البوصلة الأخلاقية التي أقترحها عليكم ليست بوصلة وعظ وإملاء، بل بوصلة تذكير وإحياء؛ تذكير بما في تراثنا من كنوز أخلاقية دفناها تحت ركام الحداثة الصاخبة، وإحياء لقيم كاد ينقطع حبلها لولا أن الله قيض لها من يحفظها في الصدور والسطور.
وعد مني أن أكون معكم كل أسبوع في هذا الركن، أسعى أن أكون فيه صادقا لا متكلفا، عميقا لا متقعرا، مُصلِحا لا مُصلَّحا؛ فالفارق بين اللفظين عظيم عند أهل الذوق.
أسأل الله أن يجعل هذا العمود نافعا، وأن يعينني على حسن الأداء وصدق النية، وأن يجعلنا جميعا ممن استقامت بوصلتهم على قبلة الحق والخير والجمال.
وإلى لقاء أسبوعي قادم، بإذن الله.
ذ. حمزة الحساني
عمود: البوصلة الأخلاقية


