الخميس 29 أكتوبر 2026
البوصلة الآن
سياسة انتخابات 2027.. إصلاح القوانين على محك النزاهة واستعادة الثقة

قانون مالية 2027.. بين طموح النمو وضغط الانتظارات الاجتماعية

قانون مالية 2027.. بين طموح النمو وضغط الانتظارات الاجتماعية

قدم فوزي لقجع، وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، الثلاثاء 20 أكتوبر 2026، مشروع قانون المالية لسنة 2027 أمام مجلسي البرلمان، بالتزامن مع مصادقة مجلس الحكومة، برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، على المشروع رقم 60.26. ويمثل تقديم المشروع بداية مرحلة النقاش التشريعي بشأن الاختيارات المالية والاقتصادية للحكومة الجديدة، في سياق تتداخل فيه رهانات النمو والاستثمار مع مطالب اجتماعية مرتبطة بالقدرة الشرائية والتشغيل وجودة الخدمات العمومية.

وتكشف قراءة الأرقام عن أحد أبرز التحديات التي تواجه الحكومة: ففي الوقت الذي أعلنت فيه رئيسة الحكومة استهداف تحقيق متوسط نمو اقتصادي سنوي يبلغ 5 في المائة خلال الفترة 2027-2031، تتوقع وثيقة التأطير الاقتصادي والميزانياتي للوزارة تسجيل نمو في حدود 4.1 في المائة خلال سنة 2027، ثم 4.2 في المائة في كل من 2028 و2029. ولا يعني اختلاف الرقمين وجود تناقض بالضرورة، لأن الأمر يتعلق بتوقعات سنوية من جهة، وهدف متوسط الأجل من جهة أخرى؛ لكنه يطرح سؤالا اقتصاديا أساسيا حول مصادر التسارع المنتظر، والإصلاحات والاستثمارات التي يفترض أن تدفع الاقتصاد نحو بلوغ الطموح الحكومي خلال السنوات المقبلة. فيما أعلنت الحكومة هدف النمو المتوسط ضمن برنامجها للفترة المقبلة.

ولا تنفصل هذه المعادلة عن رهانات القدرة الشرائية. فقد أعلنت الحكومة استهداف إبقاء التضخم في حدود 2 في المائة، وقالت المنصوري إن هذا الهدف يرمي إلى “حماية القدرة الشرائية والاستقرار”، وفي هذا السياق، تتضمن وثيقة التأطير الميزانياتي تخصيص 13.2 مليار درهم لدعم أسعار غاز البوتان والسكر والدقيق الوطني للقمح اللين، إلى جانب برمجة نحو 3.9 مليارات درهم لاستكمال تنفيذ الالتزامات المتبقية المرتبطة بالحوار الاجتماعي. كما تتجه الحكومة إلى إصلاح أسواق الجملة وضبط قنوات التوزيع والتسويق، وتقليص عدد الوسطاء ومحاربة المضاربة والاحتكار.

غير أن الرهان الاجتماعي لا يتوقف عند حجم الاعتمادات المرصودة، بل يمتد إلى قدرة التدابير العمومية على إحداث تغيير محسوس في نفقات الأسر وظروف عيشها. فدعم أسعار بعض المواد الأساسية يمكن أن يخفف جزءا من الضغط على المستهلكين، لكن أثره يرتبط كذلك بتطور أسعار الغذاء والطاقة، وفعالية مراقبة الأسواق، ومدى انعكاس الدعم على الأسعار التي يؤديها المواطن فعليا. لذلك، سيكون من الضروري تقييم إجراءات المالية الجديدة من خلال نتائجها على القدرة الشرائية، لا الاكتفاء بقيمة المبالغ المعلنة.

وعلى المستوى الترابي، يبرز تخصيص نحو 25 مليار درهم لتسريع تنزيل الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة باعتباره أحد أبرز الأرقام المرتبطة بتوجهات مشروع مالية 2027. ويأتي هذا الاختيار ضمن مسعى تقليص الفوارق المجالية وتعزيز التنسيق بين الدولة والجهات، مع إعطاء أهمية للسيادة المائية والطاقية والغذائية والرقمية، إلى جانب دعم الاستثمار الخاص والمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة. لكن الأثر التنموي لهذا الغلاف المالي سيظل رهينا بكيفية توزيعه بين المجالات والمشاريع، وبمدى ارتباط الاعتمادات بحاجات السكان الفعلية وقدرة المؤسسات على التنفيذ داخل الآجال المحددة.

ويكتسي ملف الشباب أهمية موازية في الاختيارات المعلنة. فقد تحدثت التوجهات العامة للمشروع عن إطلاق برنامج وطني مندمج للشباب خلال الفترة 2027-2031، يربط بين التعليم والتكوين والشغل والسكن، مع الانتقال من تعدد البرامج القطاعية إلى مقاربة أكثر تكاملا. واللافت في البلاغ المتعلق بالتوجهات العامة أن تعدد البرامج المتفرقة أبان عن محدوديته، وهو ما يضع السياسة الجديدة أمام اختبار التنسيق بين القطاعات، وتحديد المسؤوليات، وقياس النتائج الفعلية في فرص التشغيل والإدماج الاقتصادي والاجتماعي.

في المقابل، تفرض المحافظة على التوازنات المالية حدودا ينبغي أخذها في الاعتبار عند تقييم المشروع. فالبرمجة الميزانياتية للفترة 2027-2029 تستهدف حصر عجز الميزانية في 3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، وخفض نسبة الدين من 66.6 في المائة من الناتج سنة 2025 إلى 63 في المائة في أفق 2029. ويعني ذلك أن الحكومة مطالبة بتمويل أولوياتها الاجتماعية والاستثمارية، وفي الوقت نفسه التحكم في مسار العجز والمديونية، بما يستدعي توجيه الإنفاق نحو المشاريع الأكثر قدرة على تحسين الخدمات ورفع الإنتاجية وتوليد فرص الشغل.

إن التوقعات الاقتصادية لسنة 2027، وفق الوثيقة الميزانياتية، تستند إلى فرضيات منها بلوغ الإنتاج الوطني من الحبوب 70 مليون قنطار، واستقرار متوسط سعر برميل النفط عند 75 دولارا، ونمو القيمة المضافة للأنشطة غير الفلاحية بنسبة 4.3 في المائة. وتكشف هذه الفرضيات عن أهمية استمرار أداء القطاعات غير الفلاحية، من صناعة وخدمات واستثمار، بالتوازي مع تقليل تعرض النمو لتقلبات الموسم الفلاحي والأسواق الدولية. فكلما اتسعت قاعدة النمو وتنوعت محركاته، زادت فرص استدامته وقدرته على خلق الثروة وفرص العمل.

ودخول مشروع قانون المالية مرحلة المناقشة البرلمانية، ينتقل الاختبار من إعلان الأولويات إلى فحص ترجمتها في الأرقام والتدابير العملية: ما الموارد التي ستمول الالتزامات الجديدة؟ وكيف ستوزع الاعتمادات بين القطاعات والجهات؟ وما المؤشرات التي ستتيح تتبع أثر الإنفاق العمومي؟ تلك هي الأسئلة التي ستحدد، في نهاية المطاف، ما إذا كانت مالية 2027 ستنجح في تحويل أهداف النمو والدولة الاجتماعية إلى نتائج قابلة للقياس، أم أن المسافة ستظل قائمة بين الطموح المعلن والأثر الذي يلمسه المواطن في حياته اليومية.

شارك المقال

تمثّلون مؤسسة ورد ذكرها في هذه المادة؟ أرسلوا حق الرد

أمين طاهر

رئيس التحرير

أمين طاهر، صحافي مغربي، مدير نشر ورئيس تحرير جريدة «البوصلة». حاصل على ماستر في التواصل والإعلام، وله تجربة في الصحافة والإنتاج الإعلامي والتكوين، ويشرف على الخط التحريري للموقع وتطوير محتواه الصحفي.

"الكلمة مسؤولية.. والحقيقة وجهة"

كل مقالات أمين طاهر ←
فيسبوك
💬 شارك عبر واتساب