الخميس 29 أكتوبر 2026
البوصلة الآن
سياسة انتخابات 2027.. إصلاح القوانين على محك النزاهة واستعادة الثقة
رأي وتحليل

الكولخوز والسوفخوز: كيف نرمي الحجارة قبل أن نرى ما وراء الإصبع؟

الكولخوز والسوفخوز: كيف نرمي الحجارة قبل أن نرى ما وراء الإصبع؟

يقول مثل شائع: حين يُشار إلى القمر، تتجه أنظار كثيرين إلى الإصبع.

يوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026، أشار رئيس فريق التجمع الوطني للأحرار بمجلس النواب، ياسين  عكاشة، إلى شيء ما. قال، وهو يناقش مشروع قانون المالية لسنة 2027 داخل لجنة المالية، إن المغرب «لا يحتاج إلى استعادة معارك إيديولوجية من زمن الكولخوزات والسوفخوزات».

في ساعات، صار الإصبع هو الحدث. كلمتان روسيتان غريبتان على الأذن تحولتا إلى عنوان ومادة للتعليق والسخرية. أما ما كان يشير إليه الرجل، وما وراء الكلمتين نفسيهما، فبقي في الظل.

القضية هنا ليست كلمتين. القضية عادة أوسع: أن نرمي الحجر قبل أن نرفع أعيننا.

ما الذي قيل، وما الذي سُمع؟

بحسب ما نُقل عن الجلسة، اعترض رئيس الفريق على خطاب تقديم المشروع لأنه، في قراءته، قابل بين «دولة اجتماعية» توزع المساعدات و«دولة اجتماعية منتجة»، مستحضراً مفاهيم إيديولوجية خارج السياق الوطني. وحذّر من تقابل مصطنع بين الاجتماعي والاقتصادي، وبين الدولة والمقاولة. ونقل موقع «صوت المغرب» أنه رفض أيضاً اختزال تجربة الحكومة السابقة في «النيوليبرالية» و«الرأسمالية المتوحشة».

هذا ما قيل. أما ما سُمع، فشيء آخر.

في تعليقات القراء التي اطلعتُ عليها تحت الأخبار التي نقلت التصريح، دار الكلام كله حول الحزب وحصيلته في الحكومة. لم يتوقف أحد عند الحجة، ولا عند معنى الكلمتين اللتين صنعتا العنوان.

لست هنا لأحكم بأن رئيس الفريق على صواب أو خطأ. ذلك نقاش تحسمه أرقام الميزانية واختياراتها. ما يعنيني هو أن الحكم، تأييداً أو رفضاً، سبق الفهم.

ما وراء الإصبع: ماذا تعني الكلمتان فعلاً؟

الكولخوز (колхоз) اختصار روسي لعبارة تعني «الاستغلال الجماعي». والسوفخوز (совхоз) اختصار لعبارة تعني حرفياً «الاستغلال السوفياتي». والمقطع المشترك «خوز» يحيل إلى تدبير البيت أو الضيعة، ومنه كلمة تعني صاحب الدار ورب العمل. ظهرت الفكرة بعد ثورة 1917، وصارت إلزامية مع حملة التجميع القسري التي أطلقها ستالين ابتداء من 1929.

الجواب السريع معروف: الكولخوز مزرعة جماعية أرضها للفلاحين، والسوفخوز مزرعة دولة أرضها للدولة.

لكن النظام النموذجي للكولخوز، الصادر في فبراير 1935، ينص على أن أرضه، مثل كل أراضي الاتحاد السوفياتي، ملك للدولة، تُمنح له للانتفاع الدائم. الأرض في الحالتين كانت للدولة.

الفرق لم يكن في الأرض. كان في الإنسان.

عامل السوفخوز موظف بأجر. أما عضو الكولخوز فكان يأخذ نصيباً مما يتبقى بعد أن يؤدي الكولخوز ما عليه للدولة، يُحسب بـ«أيام العمل»، وكثيراً ما دُفع حبوباً متدنية الجودة، إن دُفع. وبينما حصل عمال السوفخوزات على جوازات داخلية منذ مطلع الثلاثينيات، بقي أعضاء الكولخوزات بلا جوازات، لا ينتقلون إلى المدن دون إذن، حتى نظام 1974.

ورقم واحد يلخص التجربة: سنة 1938 لم تتجاوز القطع الأرضية الصغيرة المتروكة للاستعمال الشخصي 3.9 في المائة من المساحة المزروعة، لكنها أنتجت سنة 1937 نحو 21.5 في المائة من الإنتاج الفلاحي. الفلاح أعطى «الجماعي» ما طُلب منه، وأعطى حديقته الصغيرة ما يملك.

الكلمة التي تبدو الأكثر «جماعية» كانت، لعقود، الصيغة التي يتحمل فيها الفلاح المخاطرة وحده، ويُدفع له آخراً، ولا يستطيع الرحيل. هذا ما لا تقوله الترجمة من سطر واحد.

الإصبع والقمر

في هذه الواقعة أكثر من إصبع.

الإصبع الأول هو الكلمة: غريبة، قديمة، تصلح للسخرية. والإصبع الثاني هو قائلها: حزب كان بالأمس في الحكومة ويجلس اليوم في المعارضة، فصار كل ما يقوله يُقرأ من خلال حصيلته. أما القمر، فكان في مكان آخر: حجة يمكن مناقشتها حول العلاقة بين الاجتماعي والاقتصادي، وأسئلة قابلة للقياس طُرحت في الجلسة نفسها، عن مكونات الـ62 مليار درهم، وترحيل التزامات إلى أفق 2031، وسقف العجز في 3 في المائة.

والمفارقة أن الطرفين يتبادلان الأصابع نفسها. طرف يُوصف بـ«النيوليبرالية»، فيرد بـ«الكولخوز». تسمية مقابل تسمية. كل كلمة تُرمى حكماً جاهزاً على الآخر، لا أداة لفهمه. ومن يعلّق من الخارج يلتقط الكلمة الأغرب، ويضيف حجراً.

من يحق له أن يرمي الحجر؟

النقد ليس ترفاً. هو حق، وهو ضرورة في أي نقاش عمومي سليم. لكن له شرطاً واحداً لا يسقط: أن نفهم ما ننتقده.

النقد الذي لا يمر بالفهم يصبح حجراً. يؤلم، وقد يصيب، لكنه لا يبني شيئاً. والفهم لا يعني الموافقة. يمكن أن تفهم حجة رئيس الفريق تماماً ثم ترفضها. لكن رفضك عندها يكون عن الحجة، لا عن الإصبع.

والمسافة بين الاثنين صغيرة. البحث عن أصل الكلمتين لا يتطلب أكثر من دقائق. السخرية منهما تتطلب ثواني. والشبكات تكافئ الثواني.

وما لاحظته في التداول أوسع من خانة التعليقات: حتى أسماء محسوبة على النخبة المثقفة اكتفت بالتعليق على غرابة الكلمتين، أو بترجمة من سطر، ثم انتقلت إلى الموقف من الحزب. والمثقف، تحديداً، يُفترض أن يكون أبطأ الناس في رمي الحجر، وأسرعهم في رفع العين.

ولا أستثني نفسي. كلنا نتعرض لإغراء الحكم السريع، لأنه مريح: يعفينا من القراءة، ويضعنا في الجهة «الصحيحة» أمام جمهورنا. لكن نقاشاً عمومياً يُبنى على الأصابع يُنتج أصابع أخرى، ولا يقترب من القمر.

كلمة أخيرة

سُمّي الكولخوزنيك «مالكاً جماعياً»، وكان آخر من يُدفع له، وممنوعاً من الرحيل. الكلمة وعدت بشيء، والواقع قال شيئاً آخر. ولم يكن ذلك ليظهر إلا لمن يفتح الكلمة.

الحجر لا يحتاج إلى فهم. يكفي أن تكون اليد قريبة من الأرض. أما النقد، فيحتاج أن نرفع أعيننا قليلاً نحو ما يشير إليه الإصبع.

فكم حجراً رمينا هذا الأسبوع، دون أن نرفع أعيننا؟

شارك المقال

تمثّلون مؤسسة ورد ذكرها في هذه المادة؟ أرسلوا حق الرد

مقالات الرأي تعبّر عن آراء كتّابها، ولا تعبّر بالضرورة عن موقف البوصلة. حق الرد ←

فتح برحيل

المدير المسؤول

رجلٌ جعل من الإيجابية فلسفة، ومن الفعل طريقا، ومن الإنسان غاية

كل مقالات فتح برحيل ←
فيسبوك
💬 شارك عبر واتساب