المهدي بن بركة: رجل واحد، روايتان.. وأرشيف لم يُفتح بعد
في 30 أكتوبر 2015، في الذكرى الخمسين لاختفائه، وجّه الملك محمد السادس رسالة إلى لقاء عُقد تحت عنوان «مكانة الشهيد المهدي بن بركة في التاريخ المعاصر». وصفت الرسالة بن بركة بأنه كان «رجل سلم» و«قريباً من العائلة الملكية»، وقالت إن مرحلة ما بعد الاستقلال كانت مشحونة بالصراعات حول مسار المغرب المستقل. ثم أضافت جملة تصلح مدخلاً لأي قراءة هادئة للملف: «إننا لسنا هنا لإصدار الأحكام».
الدولة نفسها امتنعت عن الحكم. أما الشارع المغربي، ومنصاته اليوم، فلم يمتنع. بن بركة عند بعضهم «عريس الشهداء» ورمز التحرر في العالم الثالث، وهو عند آخرين المعارض الذي انحاز إلى الجزائر في حرب الرمال وتعامل مع مخابرات أجنبية.
بين الصورتين مسافة تملؤها الوثائق، حين توجد، وتملؤها الشهادات والذاكرة حين تغيب الوثائق. يحاول هذا الملف أن يسير في تلك المسافة بما تركه الفاعلون أنفسهم: مذكرات الحسن الثاني، ومذكرات الشاذلي بن جديد، وشهادة شقيق بن بركة، وملفات المخابرات التشيكوسلوفاكية، ووثائق الخارجية الأمريكية. ولا يصدر حكماً، لا على الرجل ولا على من تنسب إليهم الروايات اختطافه. سؤاله أبسط وأصعب: ماذا تثبت الوثائق فعلاً، وماذا تضيف كل رواية من عندها؟
إبن المدينة الذي درّس الأمير
وُلد المهدي بن بركة في يناير 1920 بالمدينة القديمة في الرباط، في أسرة متواضعة. درس الرياضيات في الجزائر ثم عاد أستاذاً، ومن بين تلاميذه في المعهد المولوي ولي العهد مولاي الحسن. وقّع في يناير 1944 على وثيقة المطالبة بالاستقلال، وصار من أبرز وجوه حزب الاستقلال، ثم ترأس المجلس الوطني الاستشاري بعد الاستقلال.
في شتنبر 1959 قاد انشقاق الجناح اليساري عن الحزب وأسس «الاتحاد الوطني للقوات الشعبية». ومنذ تلك اللحظة بدأت علاقته بالقصر تتأرجح بين القطيعة ومحاولات الوصل. غادر المغرب سنة 1960، ثم عاد إليه في ماي 1962 بعد دعوات الملك الجديد إلى الوحدة، وانتُخب نائباً عن الدار البيضاء في ربيع 1963 وهو في الخارج. وفي الفترة نفسها أعدّ نص «الاختيار الثوري في المغرب»، الذي بقي مرجعاً لليسار المغربي بعد رحيله.
هذا الفصل من حياته لا تتنازع عليه الروايتان كثيراً. الخلاف هو حول وزنه: أنصاره يرون فيه أساس الصورة كلها، ومنتقدوه يرون أن الماضي الوطني لا يُغلق باب السؤال عمّا جاء بعده.
«الاختيار الثوري»: النص الذي صار وصية
كتب بن بركة هذا النص سنة 1962 تقريراً سياسياً للمؤتمر الثاني للاتحاد الوطني للقوات الشعبية، المنعقد في ماي من السنة نفسها. لم يُنشر وقتها. وفي يونيو 1965 قرر صاحبه نشره مع مقدمة جديدة، ظل ينقّحها حتى أيام قليلة قبل اختفائه، فصدر بالفرنسية عن دار ماسبيرو سنة 1966، وبالعربية عن دار الطليعة في بيروت. هكذا تحوّل تقرير حزبي إلى ما يشبه الوصية السياسية.
النقد الذاتي. أشهر ما في النص هو ما يسميه بن بركة «الأخطاء الثلاثة» للحركة الوطنية. الأول: سوء تقدير التسويات التي اضطرت إلى عقدها مع الخصم، وعلى رأسها مفاوضات إيكس ليبان. والثاني: خوض المعارك «في غرف مغلقة» بمعزل عن مشاركة الناس. والثالث: غياب الوضوح الأيديولوجي. وتنقل الباحثة زكية داود عنه أن خطأ إيكس ليبان كان في أنه أغلق أمام الحركة الوطنية أفق التحول الثوري.
التحليل. يقرأ النص المجتمع المغربي بلغة الطبقات: برجوازية كبيرة تخلّت عن طموحها السياسي وربطت مصيرها ببقايا الإقطاع، في مواجهة جماهير المدن والبوادي. ويرى أن استقلالاً يعيد إنتاج بنى المرحلة الاستعمارية لا يكون استقلالاً كاملاً.
البرنامج. تجمل زكية داود مضمونه في نقاط محددة:
• إصلاح زراعي عميق باعتباره الطريق لإضعاف القوى المحافظة في البادية.
• تخطيط اقتصادي ودور مركزي للدولة في توزيع الثروة، عبر الضرائب والخدمات الاجتماعية لا عبر مصادرة الممتلكات.
• حزب يُعاد تنظيمه باتجاه الحركة الجماهيرية.
• مجلس تأسيسي منتخب يضع الدستور، لإبراز الشرعية الشعبية.
الأثر. صار عنوان النص لاحقاً اسماً لتنظيم معارض من أقصى اليسار. لكن قراءات لاحقة لم ترَ فيه بياناً ثورياً فقط. فمقال نشره موقع Maghreb Online يقرأه اعترافاً ضمنياً بتراجع الحركة الوطنية، وبصعوبة الجمع بين المعارضة البرلمانية والعمل السري.
هل كان ديمقراطياً؟
السؤال أصعب مما يبدو، لأن كلمة «ديمقراطية» لم تكن تعني الشيء نفسه لكل الفاعلين سنة 1960. والوثائق تقدم حججاً في الاتجاهين.
ما يستند إليه من يراه ديمقراطياً. بن بركة هو أول من ترأس هيئة شبه برلمانية في المغرب المستقل، المجلس الوطني الاستشاري المحدث بظهير 3 غشت 1956، وهو مجلس كان أعضاؤه معيّنين لا منتخبين، وكان يراه مدرسة للتمرن على الديمقراطية. وكان يقول إن الديمقراطية تبدأ من القاعدة، من الجماعات القروية والدواوير، ويطالب بـ«ملكية دستورية وبرلمانية حقيقية». وفي دجنبر 1962 رفض حزبه الدستور المعروض على الاستفتاء لأنه لم يصغه مجلس تأسيسي منتخب، ثم شارك في انتخابات ماي 1963 ونال 28 مقعداً من أصل 144، رغم ما وصفه بالتزوير.
ما يستند إليه من يشكّك في ذلك. في سنوات 1956-1959 كان بن بركة من أبرز مهندسي حزب الاستقلال، الذي اتهمه خصومه بالسعي إلى حكم الحزب الوحيد وإقصاء المخالفين. ويصف الباحث الأمريكي جون واتربوري، صاحب الدراسة المرجعية عن النخبة المغربية، تصوراته السياسية بأنها «سلطوية»، كما تنقل عنه زكية داود. والنموذج الذي دافع عنه، اشتراكية تقوم على اقتصاد مخطط وموجّه ومركزي، لا ينتمي إلى الديمقراطية الليبرالية. ولاحظ كاتب في «أوجوردوي لوماروك» أن المطالبة بمجلس تأسيسي فُهمت لدى القصر بوصفها طريقاً نحو ملكية برلمانية في أحسن الأحوال، أو جمهورية، وأن دستور 1962 منع نظام الحزب الوحيد. يُضاف إلى ذلك أن حكم مارس 1964 صدر في ملف مؤامرة ضد الملك، تصفها الموسوعة البريطانية بـ«المزعومة».

بين الصورتين رجل طالب بالمؤسسات المنتخبة، وربط الديمقراطية في الوقت نفسه بـ«تعبئة الجماهير وتنظيمها»، وهي صيغة كانت شائعة لدى حركات التحرر آنذاك. هل كان ذلك التزاماً ديمقراطياً، أم تصوراً للديمقراطية من خلال الحزب؟ الوثائق تسمح بالقراءتين، والكلمة الأخيرة هنا للقارئ.
حرب واحدة وقراءتان
حين اندلعت المواجهة المسلحة بين المغرب والجزائر في أكتوبر 1963، كان بن بركة خارج البلاد. وتجمع الموسوعتان الفرنسية والبريطانية على أنه انحاز إلى الجزائر، وتضيف الأولى أنه تنقل في السنتين التاليتين بجواز دبلوماسي جزائري في مهامه الدولية.
وفي التوقيت نفسه تقريباً صدر في حقه أول حكم غيابي بالإعدام، ثم حكم ثانٍ في مارس 1964. لكن التهمة التي تذكرها الموسوعة البريطانية ليست الحرب، بل الخيانة العظمى في مؤامرة مزعومة ضد الملك. وبينما تربط الذاكرة الشعبية الحكم بالموقف من الجزائر، تشير المراجع إلى ملف قضائي مختلف هو «مؤامرة يوليوز 1963». التمييز بين الملفين ضروري لأي قارئ يريد أن يحكم بنفسه.
منتقدو بن بركة يرون أن رجلاً ينحاز إلى دولة تحارب بلده، ويحمل جوازها، اختار موقعاً لا تغطيه المبررات الأيديولوجية. وأنصاره يرون في موقفه رفضاً لحرب بين نظامين خرجا للتوّ من الاستعمار، صدر عن معارض منفيّ بالكلمة لا بالسلاح.
من الضفة الأخرى للحدود، يروي الرئيس الجزائري الأسبق الشاذلي بن جديد، في الجزء الأول من مذكراته «ملامح حياة»، أنه كان في زيارة إلى الصين خلال تلك الحرب وعاد وقد انتهت. وتنقل عنه المقتطفات المنشورة موقفاً لافتاً من المعارضات المغربية التي احتضنتها الجزائر في عهد بومدين: «لا أؤمن بمعارضة تنشط خارج بلدها»، مع قناعة بأن الثورات لا تُصدَّر. ولا تذكر هذه المقتطفات بن بركة بالاسم.
شهادة بن جديد تفتح بابين. قد تُقرأ دليلاً على أن رهان المعارضة من الخارج كان محل شك حتى لدى قيادات جزائرية، وقد تُقرأ دليلاً على أن المسألة كانت لعبة دولتين أكبر من أي فرد. وتروي المقتطفات أيضاً أن ضباطاً مغاربة مقربين من الجنرال أوفقير فاتحوه لاحقاً في فكرة إسقاط الملكية، وهو تفصيل يذكّر بأن تهمة «التآمر» في تلك السنوات لم تكن حكراً على المعارضة وحدها.
«الشيخ» في أرشيف براغ
أكثر ما يُستشهد به اليوم ضد بن بركة لم يأتِ من الرباط، بل من براغ. سنة 2007 نشر الصحفي التشيكي بيتر زيديك في أسبوعية L’Express مقالاً يقدّمه باعتباره «عميلاً للشرق»، استناداً إلى ملفه لدى جهاز أمن الدولة التشيكوسلوفاكي (StB). ثم درس المؤرخ يان كورا، من جامعة شارل، الملف نفسه مع نحو 1500 صفحة من الوثائق، في دراسة محكّمة نشرتها مجلة Intelligence and National Security، وعادت خلاصاتها إلى الواجهة الدولية في دجنبر 2021 عبر صحيفة The Observer.
بحسب ما ينقله كورا عن الملف، بدأت الاتصالات في باريس سنة 1960 مع عميل تشيكي يعمل تحت غطاء دبلوماسي، وزار بن بركة براغ أول مرة في شتنبر 1961. أطلق عليه الجهاز اسماً رمزياً هو «الشيخ»، ودفع له مبالغ مقابل معلومات وتحليلات عن العراق ومصر والجزائر. وتذكر الصحيفة نفسها أنه تلقى بحلول شتنبر 1961 ألف فرنك فرنسي مقابل تقارير عن المغرب. وفي المقابل، يقرّ كورا بأن الجهاز لم يسجّله قط بصفة «عميل»، بل بصفة «اتصال سري»، وبأن بن بركة لم يعترف بأي تعاون. ويضيف أن الجهاز نفسه رجّح أن بن بركة ظنّ، قبل زيارته الأولى، أنه يلتقي دبلوماسياً لا ضابطاً.
من هذه المعطيات يخلص كورا إلى أن بن بركة كان «جاسوساً بارزاً»، وهو عنوان دراسته نفسه. ومنها تخلص عائلة بن بركة إلى العكس. ففي بيان وقّعه ابنه البشير، تقول العائلة إن كورا قرأ الأرشيف من زاوية الجهاز وحده، وإن الفرق جوهري بين مصدر قد لا يعرف أنه مصدر، وعميل يعمل لجهاز. وذهب الوزير السابق محمد الأشعري أبعد، فشكّك في المعطيات وفي المنهج معاً.
يبقى للقارئ معطى منهجي بسيط: أرشيف براغ هو الأرشيف الوحيد الذي فُتح كاملاً عن بن بركة، وهو أرشيف طرف واحد، كتبه ضباط لهم مصلحة في تضخيم قيمة مصادرهم أو تقليلها. أما رواية بن بركة نفسه عن تلك اللقاءات، فلم تصل إلينا.
ظلّ المساعدي
ثمة ملف أقدم، حاضر بقوة في ذاكرة الريف وأقل حضوراً في سردية اليسار. في 27 يونيو 1956 اغتيل عباس المساعدي، أحد مؤسسي جيش التحرير في الشمال، خلال صراع بين فصائل المقاومة غداة الاستقلال. فُتح تحقيق في عهد محمد الخامس، وأُغلق دون نتيجة.
منذ ذلك الحين يحمّل بعضهم بن بركة، بوصفه آنذاك من أقوى رجال حزب الاستقلال، المسؤولية عن الاغتيال. وأوضح ما قيل في ذلك جاء من خليل المساعدي، الابن الوحيد للراحل، الذي قال في حوار مع هسبريس إن من وقفا خلف مقتل والده هما «بدون شك» المهدي بن بركة والفقيه البصري.
لكن الشهادات لا تتفق. الحوار نفسه يذكّر بأن محمد بنسعيد آيت إيدر، أحد قادة جيش التحرير، ينسب الاغتيال إلى القصر، وهي رواية يرفضها الابن. والاتهامات متبادلة منذ عقود بين رجال المرحلة، من المحجوبي أحرضان إلى آيت إيدر.
الحصيلة أن بن بركة يقف هنا في موقع المتهَم، لا الضحية، باتهام صريح من عائلة القتيل، وروايات مضادة من شهود آخرين، وغياب كامل لأي حكم قضائي. وهو الفراغ نفسه الذي سيحيط لاحقاً بمصيره هو.
هل صفّى بن بركة خصومه؟
ملف المساعدي ليس الوحيد. فالسنوات الثلاث التي تلت الاستقلال عرفت صراعاً عنيفاً بين حزب الاستقلال، المهيمن على الحكومة والمجلس الاستشاري ووزارة الداخلية، وخصومه في حزب الشورى والاستقلال وغيره. وكان بن بركة آنذاك من أقوى رجال الحزب المهيمن.
أشهر رموز تلك المرحلة «دار بريشة» قرب تطوان. وصفها محمد بن عبد الكريم الخطابي، في رسالة من القاهرة سنة 1960 إلى زعيم حزب الشورى محمد حسن الوزاني، بأنها «أول معتقل سياسي مغربي». ويروي المهدي المومني التجكاني، في كتابه «دار بريشة أو قصة مختطف» (1987)، أن المكان استُعمل لتعذيب مناضلي الشورى، ويذكر أسماء اغتيلوا أو اختُطفوا. ويحمّل الشوريون المسؤولية لحزب الاستقلال باعتباره مؤسسة. وقد فتح المجلس الوطني لحقوق الإنسان هذا الملف سنة 2015.
أين يقف بن بركة شخصياً من ذلك؟ هنا تتباين المصادر:
• موسوعة الجزيرة تذكر أن قيادات من حزبه الأول ثم من الاتحاد الوطني اتُهمت بإقصاء المخالفين وتصفيتهم والإشراف على مراكز اعتقال سرية، دون أن تنسب فعلاً محدداً إلى بن بركة.
• أعضاء الشورى في المجلس الاستشاري واجهوه، وهو رئيس المجلس، باتهام «رجاله» بالوقوف وراء تصفية شوريين، وكتب بعضهم عن ذلك في مذكراته، مثل الحاج معنينو. ولا تورد المصادر المتاحة أي ردّ منه على هذه الاتهامات.
• في ملف المساعدي يبقى الاتهام الأوضح هو اتهام ابن القتيل، تقابله رواية آيت إيدر التي تتهم القصر.
الحصيلة: هناك اتهامات مباشرة من خصوم سياسيين ومن عائلة ضحية، وهناك مسؤولية سياسية عامة يُحمّلها كثيرون لقيادة الاستقلال في تلك السنوات، وكان بن بركة جزءاً منها. لكن لا توجد وثيقة منشورة ولا حكم قضائي يثبت أنه أمر شخصياً بتصفية أحد. وهي المنطقة نفسها التي يقف فيها ملف اختطافه: اتهامات كثيرة، وقضاء غائب.
«معادلة» الملك
سنة 1965 بدأت بالنار وانتهت بالغياب. بعد أحداث الدار البيضاء في مارس، مدّ الحسن الثاني يده إلى اليسار: أفرج عن قادة محكومين، واستقبل وفداً يقوده عبد الرحيم بوعبيد وعرض عليه تشكيل الحكومة، وأرسل مبعوثين إلى بن بركة: ابن عمه الأمير مولاي علي، سفير المغرب في باريس، ومحمد العربي العلمي، سفيره في القاهرة.
شقيقه عبد القادر بن بركة يروي في كتابه «El Mehdi Ben Barka, mon frère»، الصادر عن دار روبير لافون سنة 1966، أن مولاي علي استقبله أواخر مارس 1965 في بيته بباريس وحمّله رسالة غريبة من الملك: لديه «معادلة يحلّها»، وأستاذه السابق في الرياضيات سيفهم قصده. اتصل عبد القادر بأخيه في القاهرة، فأجابه المهدي، بحسب الرواية، بأنه ليس لديه ما يقوله للمبعوث.
روايات أخرى ترسم صورة مختلفة. فموقع Yabiladi ينقل أن بن بركة، خلافاً لبوعبيد الذي اشترط مراجعة الدستور، اقترح تعاوناً فورياً على نمط حكومة عبد الله إبراهيم. وقال محمد الحبابي، رفيقه في الحزب، لصحيفة «المساء» إن الملك أراده وزيراً للخارجية في حكومة كانت ستُشكّل في أكتوبر 1965، ونسب الاختطاف إلى الأمريكيين وقال إن الملك حاول منعه. في المقابل، لم يستبعد محمد اليازغي، الكاتب الأول الأسبق للاتحاد الاشتراكي، في برنامج «رحلة في الذاكرة» على قناة RT، أن يكون الملك أعطى الضوء الأخضر لأوفقير، وذكر أن بن بركة اشترط إلغاء حكم الإعدام وتأجيل عودته إلى ما بعد مؤتمر القارات الثلاث.
أما الحسن الثاني فقدّم روايته في «ذاكرة ملك»، كتاب الحوارات الذي أجراه معه الصحفي إيريك لوران وصدر عن دار Plon سنة 1993. فيه ينفي أي مسؤولية له عن اختفاء بن بركة، ويؤكد أن علاقته بأستاذه السابق ظلت علاقة ودّ، بينما يبرز الكتاب تورط الجنرال أوفقير في القضية. ويذكر الملك أيضاً أنه قطع كل علاقة مباشرة مع الجنرال دوغول بعد القضية.
أمام القارئ إذن أربع روايات عن الأشهر الأخيرة: ملك يبحث عن مصالحة، ومعارض يرفضها أو يشترط لها، ورفيق يبرّئ القصر، وآخر لا يستبعد مسؤوليته. كلها شهادات لأطراف في القصة، ولا تسندها وثيقة منشورة من أرشيف الدولة.
ما بعد رصيف «ليب»
في ظهر 29 أكتوبر 1965، أمام مقهى «ليب» في شارع سان جيرمان بباريس، أوقف شرطيان فرنسيان بن بركة واقتاداه في سيارة. لم يرَه أحد بعد ذلك. وفي يونيو 1967 أدانت محكمة فرنسية وزير الداخلية المغربي الجنرال محمد أوفقير غيابياً، وبرّأت أحمد الدليمي. هذا كل ما حسمه القضاء حتى اليوم.
كل ما بعد ذلك روايات، تتقاطع في أن بن بركة لم يخرج حياً، وتختلف في كل ما عدا ذلك. سنة 2001 تحدث أحمد البخاري، العميل السابق في الأجهزة المغربية، ثم كتب في كتابه Le Secret أن بن بركة مات أثناء استنطاق، وأن جثمانه نُقل من مطار أورلي إلى الرباط وأُذيب في حوض من الحمض. وفي مارس 2015 نشرت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية تحقيقاً لرونين برغمان وشلومو ناكديمون، يروي فيه عميل سابق في الموساد أن الموت لم يكن مخططاً له، وأن الجهاز الإسرائيلي تولّى المساعدة بعده.
ثم جاء كتاب ستيفن سميث ورونين برغمان «قضية بن بركة: نهاية الأسرار»، الصادر عن دار Grasset في أكتوبر 2025. استند المؤلفان إلى برقيات للموساد ومحاضر تحقيق إسرائيلية داخلية، ليرويا أن بن بركة مات غرقاً في حوض استحمام أثناء استنطاق، وأن أحمد الدليمي كان الشخصية المحورية، وأن الموساد وفّر جوازات ومخبأً ووسائل للتخلص من الجثمان. وقال برغمان لإذاعة Europe 1 إن الجثمان دُفن في غابة بولونيا تحت الموقع الذي يضم اليوم متحف مؤسسة لوي فويتون. لكن مراجعة الكتاب في موقع Qantara الألماني تلاحظ أمرين: أن الكتاب لا يحسم ما إذا كان المطلوب قتل بن بركة أم إعادته بالقوة، وأن الدليمي نفسه، بحسب البرقيات، قال لعميل إسرائيلي إن الجثة لن تُوجد أبداً.
روايات متعددة للمصير، وأكثر من مكان للجثمان: الرباط في رواية، وغابة بولونيا في أخرى. ولم تحسم أي محكمة بينها.
في باريس ما يزال التحقيق مفتوحاً منذ 1975، وهو الأقدم في فرنسا بحسب وكالة الأنباء الفرنسية. سنة 2007 وقّع القاضي باتريك رامايل خمس مذكرات توقيف دولية بحق مغاربة، لم ينفَّذ أيٌّ منها. وفي 29 أكتوبر 2026، طالب البشير بن بركة، في تصريح للوكالة نفسها، بحفريات في المعتقل السري المعروف بـPF3 في الرباط، وبتنفيذ مذكرتين تخصّان الجنرال حسني بنسليمان وميلود التونسي.
مذكرة التوقيف ليست إدانة، والمعنيان يتمتعان بقرينة البراءة. لم يُعرف عن بنسليمان أي تعليق علني على الملف. أما التونسي فرفع، بحسب البشير بن بركة، دعاوى بالتشهير ضد من ربطوا اسمه بالقضية، أي أنه ينفي أي صلة بها. ولم تفتح السلطات المغربية تحقيقاً رسمياً في القضية، كما لاحظت منظمة العفو الدولية سنة 2015.
ما تحتفظ به واشنطن
منذ الأيام الأولى للاختفاء تردّد اسم وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في الصحافة والإذاعات. وفي حالة بن بركة تركت الأرشيفات الأمريكية أثرين متعاكسين.
الأول منشور. في مجموعة الوثائق الدبلوماسية الرسمية Foreign Relations of the United States، تسجّل ملاحظة تحريرية أن مدير الأخبار في وزارة الخارجية، روبرت ماكلوسكي، اتصل في 25 يناير 1966 بوكيل الوزارة جورج بول بشأن مقالات تتهم الوكالة بالتورط. قال إنه راجع الوكالة واطمأن، وإنه سينفي أي تورط أمريكي. وبعد ثلاثة أيام أبرق السفير شارل بولين من باريس بأن رئيس الوزراء جورج بومبيدو أكد لصحفيين، خارج التسجيل، أن لا مؤشر على تورط أي جهاز أمريكي. اللافت أن الوثيقة لا تتضمن موقفاً مكتوباً للوكالة نفسها، بل نقلاً لما سمعه ماكلوسكي منها.
وما أفرجت عنه الوكالة في قاعة قراءتها الإلكترونية يغلب عليه رصد الصحافة والإذاعات الأجنبية، ومنه رصد لإذاعة موسكو بالعربية في 30 نونبر 1965 وهي تنسب الاختطاف إلى المخابرات الأمريكية. ما هو متاح إذن يكشف ما قيل عن الوكالة، لا ما قالته هي.
الأثر الثاني مغلق. في 1976، رداً على طلب قدّمه البشير بن بركة بموجب قانون حرية المعلومات، أقرّت الوكالة بأنها تحتفظ بـ 1846 وثيقة تخص والده، ورفضت الإفراج عنها بداعي الأمن القومي. وفي 2001 و 2002 جدّدت هيومن رايتس ووتش والفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان ومعهد بن بركة الطلب.
بين الأثرين تتحرك الروايات. البخاري، كما تنقل عنه رسالة المنظمتين إلى وزير الخارجية كولن باول، ادّعى أن عملاء أمريكيين كانوا يعملون يومياً في مقر الأجهزة المغربية مطلع الستينيات، وأن ضابطاً عُرف بـ«الكولونيل مارتن» تابع خطة الاختطاف منذ مارس 1965. والحبابي ذهب إلى أبعد حين نسب العملية كلها إلى الأمريكيين. أما الرواية الرسمية الأمريكية المتاحة فتبقى النفي. وحدها الوثائق الـ 1846 قادرة على الترجيح بين الطرفين.
كلمة أخيرة
سيغلق بعض القراء هذا المقال وهم يرون في بن بركة قدّيساً، وسيغلقه آخرون وهم يرون فيه خائناً. لكن الفريقين يقفان أمام الفراغ نفسه: 1846 وثيقة في واشنطن، وأرشيف في باريس، ومعتقل في الرباط لم يُحفر. ربما لا يحتاج السؤال إلى جواب منّا، بل إلى أرشيف يجيب.


