حكاية سقوط العمدة .. من صندوق الاقتراع إلى الاعتقال
في 23 شتنبر بمدينة طنجة، لم تكن الانتخابات مجرد محطة عادية كما هو الشأن في باقي المدن، بل كانت بداية حكاية سياسية وقضائية لم تكن في حسبان كثيرين. حكاية انطلقت من مكتب للتصويت بحي كاساباراطا، وانتهت باعتقال عمدة المدينة منير ليموري، والكاتب الإقليمي لحزب الأصالة والمعاصرة، المجمد العضوية، إلى جانب عدد من الأشخاص الآخرين.
كيف تحولت واقعة داخل مكتب انتخابي إلى قضية وصلت تداعياتها إلى عمدة طنجة؟ ومن كان وراء ذلك السيناريو الذي جعل يوم 23 شتنبر يتحول من موعد انتخابي عادي إلى محطة ستظل حاضرة في ذاكرة المشهد السياسي المحلي؟
كل شيء بدأ من المكتب 84.
كانت الساعة تشير إلى العاشرة والنصف صباحاً، وتحديداً داخل مدرسة القدس بحي كاساباراطا، عندما ظهر شاب في مقتبل العمر، يتراوح عمره بين 24 و27 سنة، مرتدياً ملابس أنيقة، قبل أن يتسلل إلى المكتب رقم 84.
هناك، أخرج أوراقاً قيل إنها مزورة، ووضعها داخل صندوق الاقتراع، وسط ارتباك واضح ومحاولات لتفادي انتباه الموجودين، باستثناء الأشخاص الذين كانوا، وفق الروايات المرتبطة بالواقعة، على علم بما يجري.
لكن ما لم يكن في حسبان الشاب أن تحريك صندوق الاقتراع قد يكشف أن الأوراق لم توضع بداخله دفعة واحدة. غادر المكتب، وبعد نحو نصف ساعة عاد من جديد، ولكن هذه المرة حاملاً حقيبة أخرى.
كان المكان هادئاً، والأمور تبدو عادية، والجميع ينتظر الساعة السادسة مساءً للشروع في عملية فرز الأصوات. غير أن أحد مراقبي حزب العدالة والتنمية بدأ يشعر بأن شيئاً غير طبيعي يحدث داخل المكتب، وأن وراء تلك التحركات أمراً يستدعي الانتباه.
وفجأة، قطع صوت المراقب ذلك الهدوء قائلاً: “هيهيهيهي، شكاتعمل آ صاحبي؟”.
في لحظات، انقلب المشهد داخل مدرسة القدس. تجمع الموجودون، وارتفعت الأصوات، وأخرج عدد من الحاضرين هواتفهم من جيوبهم لتوثيق الواقعة. ولم يقتصر الأمر على الموجودين داخل المؤسسة، بل بدأ أشخاص من مناطق بعيدة، حتى من بوخالف، إحدى أبعد المناطق عن كاساباراطا، يتوافدون إلى المكان لمتابعة ما أصبح يوصف بواقعة هزت العملية الانتخابية.
وسط ذلك الارتباك، ظل الشاب واقفاً دون إبداء رد فعل واضح، ينظر إلى الحاضرين بنظرات لم تكن توحي، بحسب ما عاينه الموجودون، بالخوف الذي كان متوقعاً في مثل هذه اللحظات.
حضرت الصحافة، والتحقت عناصر الشرطة بالمكان، قبل إخراج الشاب من المؤسسة وسط سيل من عبارات الغضب والاحتجاج التي وجهها إليه بعض الحاضرين. وهكذا، تحولت واقعة المكتب 84 إلى حديث المدينة، وبدأت أولى فصول قضية لم تكن تفاصيلها قد ظهرت بعد.
يومان من الانتظار.. ثم اسم العمدة في الواجهة.
مرت الانتخابات، وبعدها بيومين بدأت أخبار توقيف شخصين على خلفية القضية تتداول في طنجة. من هما؟ وما طبيعة علاقتهما بما جرى داخل مدرسة القدس؟ لم تكن الإجابات متوفرة، وظلت المعطيات محدودة، إلى أن جاء مساء يوم الجمعة بالمفاجأة التي غيرت اتجاه النقاش بالكامل.
الخبر كان يتعلق بمذكرة بحث دولية في حق عمدة طنجة منير ليموري، الذي كان يشرف على الحملة الانتخابية لحزب الأصالة والمعاصرة.
كيف وصل الملف إلى العمدة؟ ولماذا أصبح اسمه مرتبطاً بقضية انطلقت من مكتب للتصويت؟ وهل كان الأمر يتعلق بمسؤولية مباشرة أم بامتدادات أخرى لم تكن قد ظهرت إلى العلن؟
في تلك الساعات، كانت طنجة تعيش على وقع الأسئلة. في المقاهي واللقاءات السياسية، لم يكن الحديث يخرج عن القضية، وكل طرف يحاول تركيب أجزاء الحكاية وفق المعطيات التي وصلته. لكن الصورة ظلت غامضة، حتى بالنسبة إلى كثيرين داخل المشهد السياسي المحلي.
أما منير ليموري، فكان حينها بإسبانيا رفقة أسرته الصغيرة، بعيداً عن المدينة التي أصبحت تعيش على وقع تطورات متسارعة.
من قال للعمدة: عد إلى طنجة؟
مرت عشية الجمعة، ثم السبت الذي بدا ثقيلاً على المشهد السياسي المحلي. وفي خضم ذلك، أعلن العمدة أنه سيعود إلى طنجة يوم الاثنين.
لكن السؤال الذي بدأ يتردد في الكواليس كان أكثر إثارة: من نصح منير ليموري بالعودة؟ وهل قيل له إن الأمور عادية، وإن الأمر لا يتجاوز تحقيقاً قضائياً يمكن أن ينتهي بمجرد الاستماع إليه؟
في مقاهي طنجة وأحاديثها السياسية، راجت رواية مفادها أن قيادياً في أحد الأحزاب طمأن العمدة وشجعه على العودة، مستعملاً عبارة “عليك أمان الله”. وهي رواية بقيت في إطار التداول، دون تأكيد رسمي.
صباح الاثنين، توجه عدد من الصحافيين إلى ميناء طنجة، في انتظار تلك اللحظة التي اعتقدوا أنها ستكون حاسمة في مسار القضية. الجميع كان يترقب وصول العمدة، ويتساءل عن أول ظهور له بعد التطورات التي عرفها الملف.
لكن المفاجأة أن منير ليموري لم يصل عبر الميناء، بل اختار مطار ابن بطوطة، حيث حطت به الطائرة في حدود الساعة السابعة صباحاً. لم ترصده عدسات الصحافيين، ولم يتمكن أحد من تصوير لحظة وصوله، كما لم يخطر ببال كثيرين أن تكون عودته عبر المطار بدل الميناء.
كانت العودة قد تمت، لكن ما الذي كان ينتظر العمدة بعد وصوله إلى طنجة؟
48 ساعة من الاعتقال.. والنهاية لم تكن كما توقعها البعض.
مرت الساعات الأولى من توقيف منير ليموري وسط ترقب كبير. هناك من توقع أن تنتهي الإجراءات بإطلاق سراحه، وهناك من كان يرى أن القضية أكبر من مجرد استماع عابر، وأن تطوراتها قد تحمل مفاجآت أخرى.
تقدم العمدة أمام الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بطنجة، لتتواصل بعد ذلك إجراءات البحث، قبل تمديد مدة الحراسة النظرية وفق المسطرة القانونية.
وبعد يومين من الانتظار، جاء الخبر الذي شكل صدمة جديدة في المدينة: إيداع عمدة طنجة السجن في حالة اعتقال، إلى جانب ستة أشخاص آخرين.
هنا لم يعد الحديث مقتصراً على واقعة المكتب 84، بل أصبح يتعلق بملف قضائي امتدت تداعياته إلى رئاسة جماعة طنجة، وأعاد ترتيب كثير من الحسابات السياسية داخل المدينة.
هل كان العمدة هو المسؤول الأول عما حدث؟
من زاوية سياسية، يصعب فصل القضية عن الطموحات التي كانت تحيط بمستقبل منير ليموري داخل حزب الأصالة والمعاصرة. فالرجل، وفق قراءات للمشهد المحلي، كان يطمح إلى لعب دور أكبر خلال الاستحقاقات المقبلة، وربما الوصول إلى رئاسة جهة طنجة تطوان الحسيمة.
ولتحقيق مثل هذه الطموحات، لا يكفي امتلاك موقع سياسي أو مسؤولية تدبيرية، بل يتطلب الأمر تقديم مؤشرات على قوة القاعدة الانتخابية والقدرة على حشد الأصوات، وهي عناصر تحظى بأهمية خاصة داخل الحسابات الحزبية، خصوصاً عند مرحلة التزكيات وإعادة توزيع المسؤوليات.
فهل كانت الانتخابات محطة لإثبات القوة الانتخابية أمام القيادة الوطنية للحزب؟ وهل كان منير ليموري يسعى إلى توظيف النتائج لتعزيز موقعه السياسي استعداداً للمرحلة المقبلة؟
جميع هذه الأسئلة تظل مرتبطة بقراءة الحسابات السياسية المحيطة بالواقعة، دون أن تشكل في حد ذاتها دليلاً على وجود مسؤولية جنائية.
ويعود جزء من المسار الانتخابي للعمدة إلى سنة 2021، حين تمكن من تحقيق نتيجة لافتة تجاوزت ثلاثة آلاف صوت، رغم أن اسمه لم يكن معروفاً على نطاق واسع لدى عموم الناخبين قبل تلك المرحلة. وكانت تلك النتيجة إحدى المحطات التي ساهمت في تعزيز حضوره السياسي، وفتحت أمامه أبواباً أوسع داخل المشهد المحلي.
غير أن الحسابات السياسية لا تسير دائماً وفق ما يرسمه أصحابها. فما كان يُفترض أن يشكل محطة جديدة لتعزيز الحضور الانتخابي، تحول إلى منعطف قضائي وسياسي وضع مستقبل العمدة والحزب بالمدينة أمام أسئلة غير مسبوقة.
الحكاية لم تنته بعد.
من الشاب الذي دخل المكتب 84 حاملاً حقيبته، إلى المراقب الذي أثار الانتباه، مروراً بتوقيف أشخاص وظهور اسم عمدة المدينة في الملف، وصولاً إلى اعتقال منير ليموري، تتداخل تفاصيل صغيرة شكلت، مجتمعة، مسار قضية أكبر من مجرد واقعة انتخابية.
لكن السؤال الأهم يظل قائماً: هل ستكشف التحقيقات عن جميع حلقات ما حدث داخل مدرسة القدس؟ ومن كان يعلم بما جرى؟ وهل كانت هناك أدوار تتجاوز الأشخاص الذين ظهروا في الواجهة؟
أسئلة تنتظر أجوبتها من خلال المسار القضائي، بعيداً عن الروايات المتداولة والأحكام المسبقة. فاعتقال الأشخاص لا يعني ثبوت إدانتهم، وتحديد المسؤوليات يظل من اختصاص القضاء.
أما طنجة، فقد وجدت نفسها أمام حكاية بدأت بأوراق داخل صندوق اقتراع، وانتهت باعتقال عمدة المدينة، في انتظار أن تكشف الأيام المقبلة ما بقي من تفاصيلها.


