قدم حزب الأصالة والمعاصرة، مساء الثلاثاء بالرباط، برنامجه الانتخابي للاستحقاقات التشريعية المقررة في 23 شتنبر الجاري، واضعا القدرة الشرائية، وإدماج الشباب، والخدمات العمومية، والأمن الاستراتيجي والنمو الاقتصادي في صلب تصوراته للولاية الحكومية المقبلة، ومعلنا عن 20 التزاما موزعة على خمسة مواثيق، بكلفة إضافية إجمالية يقدرها الحزب بنحو 350 مليار درهم خلال الفترة 2027–2031.
ويقدم «البام» برنامجه باعتباره محاولة لتغيير اتجاه السياسات العمومية، انطلاقا من تشخيص يعتبر أن تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية والاستثمارات الكبرى لم ينعكس بالقدر نفسه على الحياة اليومية للمواطنين. ولذلك يحتل ميثاق القدرة الشرائية موقعا متقدما في البرنامج، بميزانية إضافية يقدرها الحزب في حدود 150 مليار درهم، ويقترح ضمنه إعادة تنظيم سلاسل توزيع المواد الأساسية، ومحاربة ما يسميه «الوساطة الطفيلية»، وعصرنة أسواق الجملة، وإحداث ست شركات جهوية للتوزيع الفلاحي، إلى جانب تنظيم صادرات بعض المنتجات بما يعطي أولوية للسوق الوطنية.
وفي الجانب الجبائي، يقترح الحزب الانتقال من ستة أشطر للضريبة على الدخل إلى ثلاثة أشطر، مع معدل هامشي أقصى في حدود 20 في المائة. وينص المقترح على إعفاء الأجور الخام التي تقل عن 15 ألف درهم من الضريبة على الدخل، وتطبيق معدل 10 في المائة على الأجور الخام بين 15 ألفاً و46 ألف درهم، و20 في المائة على ما يفوق 46 ألف درهم. ووفق البرنامج، فإن عتبة 15 ألف درهم خام تعادل تقريباً 12.500 درهم صافي.
كما يقترح «البام» مجانية كاملة للفواتير الكهربائية الشهرية التي تقل عن 100 درهم، دون شرط إضافي أو إجراء إداري، على أن يساهم في تمويل الإجراء استهلاك الشرائح العليا، عبر مساهمة تضامنية بنسبة 12 في المائة على الاستهلاك الذي يتجاوز 200 كيلوواط/ساعة شهريا، وبسقف يقل عن 30 درهماً شهرياً، بحسب تفاصيل البرنامج. ويقترح الحزب، ابتداء من السنة الثانية للولاية، ألا يقل أي معاش، بصرف النظر عن النظام الذي ينتمي إليه، عن 3000 درهم شهريا، مع رفع معاش الأرملة إلى 100 في المائة من معاش الزوج المتوفى بدل 50 في المائة حاليا وفق تشخيص البرنامج.
وفي ورش الحماية الاجتماعية، يتعهد الحزب بالرفع التدريجي للحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر إلى 1000 درهم شهريا، مع الانتقال تدريجيا من الاستهداف القائم على المؤشر إلى الاستهداف اعتماداً على الدخل الحقيقي، ويضع هدفاً لتقليص هامش الخطأ في تحديد المستفيدين إلى 5 في المائة في أفق 2030. ويقول البرنامج إن الدعم الاجتماعي المباشر يشمل حاليا نحو أربعة ملايين أسرة، ما يجعل أي تعديل في قيمة الحد الأدنى للدعم ذا كلفة مالية واجتماعية كبيرة ويستدعي، عمليا، تحديدا دقيقا لمصادر التمويل وآليات الاستهداف.
أما الشباب والتشغيل، فيشكلان أحد أكثر محاور البرنامج طموحا. ويقترح الحزب منصة وطنية تحت اسم «مسار إدماج» للشباب الموجودين خارج التعليم والتكوين والشغل، تستهدف عند بلوغها سرعتها القصوى نحو 300 ألف شاب سنويا، عبر تشخيص فردي ومواكبة اجتماعية وعقد للإدماج، مع توجيه المستفيد إلى التكوين أو العمل أو العودة إلى الدراسة أو إحداث مشروع. كما يقترح برنامج «أول عقد شغل» لفائدة 500 ألف شاب خلال خمس سنوات، تتحمل الدولة بموجبه مؤقتا وجزئيا بعضا من تكلفة أول تشغيل، مع ربط جزء مهم من الدعم باستمرار الشاب في منصبه.
ويضع البرنامج هدفا أكبر يتمثل في خلق مليون منصب شغل صافٍ على الأقل خلال الولاية الخماسية، أي بمعدل 200 ألف منصب سنويا، وخفض معدل البطالة من 10.8 في المائة إلى 7 في المائة بحلول 2031. ويقسم الحزب هذا الهدف بين 360 ألف منصب مرتبطة بكأس العالم 2030 والأنشطة المواكبة لها، و270 ألفا في الخدمات ذات القيمة المضافة العالية، و250 ألفا في الصناعة وتعويض الواردات، و80 ألفاً في الفلاحة بالعالم القروي، و40 ألفا في اقتصاد الرياضة.
وهنا تبرز إحدى أكثر النقاط التي تستحق القراءة المتأنية في البرنامج: المليون منصب ليست كلها وظائف حكومية أو فرصا مباشرة تمولها الدولة، بل يعتمد التصور بدرجة كبيرة على النمو والاستثمار والقطاعات الإنتاجية. ويستهدف الحزب نموا اقتصاديا متوسطا يبلغ 5 في المائة سنوياً بين 2027 و2031، مقابل حوالي 3.7 في المائة خلال 2022–2025 وفق أرقامه، ويربط بذلك قدرته على خلق 200 ألف منصب صاف سنويا. لذلك فإن تحقيق هدف البطالة المعلن سيظل مرتبطا، في التطبيق، بقدرة الاقتصاد على تحقيق النمو المستهدف وبمدى تحوله إلى نمو كثيف التشغيل، وليس بمجرد إطلاق برامج للإدماج المهني.
وفي الصحة، يقترح الحزب تطوير ما يسميه «مستشفى عموميا تنافسيا»، مع استهداف تغطية صحية بنسبة 100 في المائة وتأهيل المراكز الصحية والمستشفيات العمومية. ويستند البرنامج في تشخيصه إلى اتساع قاعدة المستفيدين من التغطية الصحية، التي يقول إنها ارتفعت من نحو 14 مليون شخص سنة 2021 إلى حوالي 32 مليونا، مقابل استمرار اختلالات مرتبطة بتوزيع الموارد البشرية الطبية والبنية الصحية.
ويشمل البرنامج أيضا المدرسة والسكن والتحول الرقمي، من خلال تعميم التعليم الأولي ابتداء من سن الرابعة، وتوسيع النقل المدرسي والإطعام في المناطق الهشة، وإطلاق برنامج «IA MAROC» لتوظيف الذكاء الاصطناعي في خدمات الدولة الاجتماعية، إلى جانب توفير حلول سكنية للشباب. وفي الجانب اللغوي والثقافي، يقترح الحزب تسريع تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية عبر إحداث صندوق خاص بميزانية قدرها مليارا درهم، وتفعيل اللجنة الوزارية الدائمة المنصوص عليها في المادة 34 من القانون التنظيمي رقم 26.16، والتي يقول البرنامج إن آخر اجتماع لها كان في أبريل 2021.
غير أن الرقم الأكثر حساسية في البرنامج يبقى 350 مليار درهم من الكلفة الإضافية على مدى خمس سنوات، أي ما يقارب 70 مليار درهم سنويا. ويوزع الحزب هذه الكلفة بين 150 مليار درهم لميثاق القدرة الشرائية، و100 مليار لميثاق المواطنة، و50 ملياراً لإدماج الشباب، و50 ملياراً للأمان الاستراتيجي. وفي المقابل، يقدر الموارد الإضافية الممكن تعبئتها بـ350 مليار درهم أيضا، منها 300 مليار ناتجة عن الأثر الإضافي للنمو، و40 مليارا من مساهمة الجماعات الترابية عبر صندوق الضريبة على القيمة المضافة، و10 مليارات من إعادة التخصيص والنجاعة الميزانياتية.
تبدو بعض الوعود، مثل خفض البطالة إلى 7 في المائة، تظل أهدافا قابلة للقياس على مدى الولاية، بينما تحتاج وعود أخرى إلى قوانين وقرارات تنظيمية وإعادة ترتيب للإنفاق العمومي، خصوصا الإصلاح الجبائي، والحد الأدنى للمعاشات، وإعادة تنظيم أسواق التوزيع، والدعم الاجتماعي والكهرباء. ومن ثم، فإن الاختبار الحقيقي للبرنامج لن يكون في عدد الالتزامات التي يتضمنها، وإنما في الجدول الزمني للتنفيذ، ومؤشرات التتبع، ومصادر التمويل، وقدرة السياسات المقترحة على إنتاج النتائج المعلنة.
وبذلك يقدم «البام» أحد أكثر البرامج الانتخابية كثافة في الأهداف الرقمية خلال الاستحقاقات الحالية، واضعا القدرة الشرائية والتشغيل في قلب المعركة الانتخابية، لكنه يضع نفسه في الوقت نفسه أمام اختبار مزدوج: إقناع الناخب بأن هذه الالتزامات قابلة للتحقق، وإثبات أن تمويلها يمكن أن يتم دون الإخلال بالتوازنات المالية والاقتصادية التي يشترطها البرنامج نفسه.
