شعار جريدة البوصلة
آخر الأخبار

حين يسألك السائق «فين غادي؟» قبل أن يقرر إن كنت تستحق الركوب

طاكسي

قف في الشارع. ارفع يدك. راقب سيارة الأجرة وهي تبطئ، ثم يسألك السائق إلى أين، ثم يقرر أنك لا تستحق الرحلة، ويكمل طريقه.

هذا المشهد يتكرر يومياً في أغلب المدن المغربية. ومنه، لا من الشاشة الزرقاء لتطبيق إنـدرايف، بدأت الأزمة.

الحملات ضد النقل السياحي غير القانوني تتوالى: حجز سيارات، محاضر، غرامات، تحذيرات من النقابات المهنية. المنطق ظاهرياً بسيط: هناك مهنة منظمة يحميها القانون، وهناك من يخترقها بلا ترخيص ولا تأمين مهني ولا التزام بتسعيرة رسمية. الدولة تحمي السوق النظامي. هذا حقها، بل واجبها.

لكن هذا المنطق يتوقف عند حدود ضيقة. يعالج من يعرض البديل، ولا يسأل لماذا طلبه المواطن أصلاً.

المشكلة ليست في التطبيق

إنـدرايف لم يخترع حاجة غير موجودة. هو استجاب لفراغ تركته سيارات الأجرة نفسها.

من يستعمل التطبيق في الغالب؟ من وقف طويلاً بلا نتيجة في ساعة الذروة. من رفضه سائق لأن وجهته “بعيدة” أو “ما تسواش”. من اضطر يوماً للمساومة على السعر قبل الركوب لأن العداد “معطّل” بشكل دائم وملائم دائماً. من يحتاج رحلة في وقت متأخر ولا يجد بديلاً.

المفارقة هنا واضحة: كل واحدة من هذه الحالات تحدث تحت مظلة القانون، لا خارجه. صاحبها سائق مرخّص، سيارته مؤمَّنة، لكنه اختار ألا يخدم الزبون. القانون يحميه رغم ذلك. أما من قبل أن يوصلك بلا شروط، فهو المخالِف.

هنا يصبح السؤال مشروعاً: هل نحن نحمي مهنة، أم نحمي سلوكاً داخل مهنة؟

ما تقوله الشكاوى، وما لا يُقال في التقارير

شكاوى رفض التوصيل والتلاعب بالعداد قديمة في المغرب، وسبقت وجود إنـدرايف بسنوات. النقاش حولها كان محدوداً لأن البديل كان غائباً. المواطن كان يقبل الأمر الواقع لأنه لا خيار آخر أمامه.

جاء التطبيق، ووجد المواطن بديلاً بضغطة زر: سعر معروف مسبقاً، سائق لا يسأل إلى أين قبل أن يوافق، تتبع للرحلة. لم يخلق التطبيق مشكلة ثقة جديدة مع الطاكسي، هو فقط كشف حجم مشكلة الثقة القديمة.

هذا لا يعني أن إنـدرايف بلا إشكال. غياب الترخيص المهني، وغياب التأمين المخصص للنقل التجاري، وغياب الرقابة الضريبية، أمور حقيقية تستحق معالجة قانونية جادة. لكن معالجتها بالحجز وحده تشبه معالجة الحمى بكسر مقياس الحرارة.

من يتحمل الكلفة الحقيقية؟

المواطن العادي هو الخاسر الأكبر في هذه المعادلة، من الجهتين.

يخسر حين يجد نفسه بلا وسيلة تنقل في وقت الحاجة، لأن سيارات الأجرة غير متوفرة بالقدر الكافي أو تنتقي زبائنها. ويخسر حين يستعمل البديل غير المرخّص فيجد نفسه، أحياناً، بلا حماية قانونية كاملة في حال وقع نزاع أو حادث.

السائق النظامي أيضاً ليس رابحاً بالضرورة. من يعمل بجدية، يحترم العداد، ويقبل كل الوجهات، يجد نفسه يتحمل سمعة سيئة تسبب فيها زملاء له اختاروا الانتقائية. الحملة الأمنية لا تفرّق بينه وبين غيره. تحمي المهنة ككل، لا السلوك الجيد داخلها.

الحل الغائب عن النقاش

محاربة النقل غير القانوني بالزجر وحده منطق ناقص. الشق المكمّل، والغائب في أغلب الخطاب الرسمي، هو تحسين الخدمة الأصلية قبل ملاحقة البديل.

هذا يعني، من الناحية العملية: التزاماً فعلياً باستخدام العداد بدل التفاوض على السعر، تكويناً لسائقي الطاكسي حول التعامل مع الزبون بلا انتقائية للوجهة، عقوبات مهنية حقيقية على من يرفض الركاب بلا مبرر، وزيادة عدد رخص التاكسي في المناطق التي تشهد طلباً متزايداً ولا تغطية كافية.

هذه الإجراءات لا تحتاج قانوناً جديداً بقدر ما تحتاج إرادة تطبيق لما هو موجود أصلاً من ضوابط مهنية.

المفارقة الأخيرة

حين تُحسَّن الخدمة الرسمية فعلاً، لن يحتاج المواطن لغلق التطبيق بقرار إداري. سيغلقه هو بنفسه، لأنه لن يجد سبباً لاستعماله.

هذه هي المفارقة التي يتجاهلها كثير من النقاش الحالي: نحارب البديل بينما الحل الحقيقي في متناول اليد، وهو إصلاح الأصل الذي دفع الناس للبحث عن بديل أصلاً.

الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *