شعار جريدة البوصلة
آخر الأخبار

قضية الفايد.. من جدل “أمية الرسول” إلى دعوات القتل واختبار حرية التعبير

محمد الفايد

لم تعد قضية محمد الفايد مجرد سجال ديني وفكري على مواقع التواصل الاجتماعي. فبعد انتشار تصريحات وتدوينات له حول مسألة “أمية الرسول”، وتباين القراءات بشأن مقصده منها، انتقل النقاش إلى المطالبة بمحاكمته، قبل أن يصل إلى مستوى أكثر خطورة مع تداول خطابات تتحدث عن الردة والقتل، فيما تقدم الفايد نفسه لاحقا بفيديو توضيحي شرح فيه ما قال إنه مقصده من كلامه. وبين هذه التطورات، دخلت القضية أيضا مسارا قانونيا بعد شكاية تقدمت بها جمعية الكرامة للدفاع عن حقوق الإنسان بتطوان إلى النيابة العامة.

المثير في هذه القضية أن أصل الخلاف لم يحسم حتى الآن على مستوى المقصد. فالمضامين المتداولة أثارت اعتراضات حادة من أصوات دينية اعتبرت أن الحديث عن أمية الرسول يمس ثابتا عقديا، في حين رأى آخرون أن المسألة تتعلق بقراءة وتأويل لمعنى “الأمي”، وأن الخلاف حولها ينبغي أن يناقش بالحجة العلمية لا بالاتهام أو التجريم. بعض الكتابات التي تناولت الجدل أشارت بالفعل إلى وجود قراءات مختلفة للمفهوم في التراث، وهو ما يجعل اختزال المسألة في ثنائية “إساءة أو تقديس” تبسيطا لنقاش أكثر تعقيدا.

وسط هذا الجدل، نشر الفايد فيديو ثانيا حاول من خلاله تفسير كلامه ووضعه في سياقه، وهو ما اعتبره بعض المتابعين تراجعا أو اعتذارا عما سبق، بينما قدمه آخرون باعتباره مجرد توضيح لموقفه بعد أن فُهمت تصريحاته على نحو مختلف. 

في المقابل، لم يتوقف التصعيد عند المطالبة بالمحاكمة. فقد ظهرت على مواقع التواصل خطابات نسبت إلى بعض الدعاة والتيار السلفي، ذهبت إلى توصيف الفايد بالمرتد وربطت ذلك بتطبيق حد “الردة”، فيما تحدثت منشورات أخرى صراحة عن قتله دون استتابة. ويظهر في هذا السياق أيضا نقاشا حول من يملك أصلا صلاحية إصدار مثل هذه الأحكام، وحول الفرق بين عرض حكم فقهي في كتب التراث وبين الدعوة إلى تنزيله على شخص بعينه في الدولة المعاصرة.

وهذا ما يبدو أكثر حساسية، فالانتقال من نقد فكرة إلى نزع صفة الإسلام عن صاحبها، ثم إلى الدعوة لقتله، ليس مجرد تصعيد في النقاش. إنه انتقال من المجال الفكري إلى خطاب يمس الحق في الحياة والسلامة الجسدية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بشخص معروف وله حضور واسع على المنصات الرقمية. وقد عبر أحمد عصيد، في حديث له حول القضية، عن رفضه لمنطق محاكمة الفايد بسبب آرائه، معتبرا أن مواجهة ما يقوله تكون بالنقاش والحجة، وأن اللجوء إلى العنف أو التهديد بالقتل لا يمكن أن يكون بديلا عن النقاش.

الناشط الحقوقي، ذهب أبعد من ذلك في توصيفه لطبيعة الخلاف، معتبرا أن الفايد لم يطرح بالضرورة قولا غير مسبوق في مسألة أمية الرسول، وأن المشكلة تكمن في تحويل الخلاف الفكري إلى مطالبة بالمحاكمة والسجن. وفي الاتجاه المقابل، دعا الحسن الكتاني إلى معالجة ما اعتبره خطأ علميا في كلام الفايد من خلال المؤسسات الدينية، ورفض، وفق تصريح له، أن تكون المطالبة بالزج به في السجن هي الحل، داعيا إلى تدخل المؤسسات العلمية لمناقشة المسألة.

أما المسار القانوني، فقد أخذ منحى مختلفا. ففي 3 شتنبر، تقدمت جمعية الكرامة للدفاع عن حقوق الإنسان بتطوان بشكاية إلى النيابة العامة، طالبت فيها بالتحقق من التصريحات والمضامين المتداولة وتحديد ما إذا كانت تتضمن أفعالا تستوجب المسؤولية القانونية. والشكاية، في حد ذاتها، لا تعني ثبوت الجريمة ولا إدانة صاحبها، وإنما تفتح مسارا للتحقق من الوقائع وتكييفها قانونيا.

وهنا تبرز المفارقة الأساسية في “قضية الفايد”: ففي الوقت الذي تكفل فيه المادة 25 من الدستور المغربي حرية الفكر والرأي والتعبير، وتضمن المادة 28 حرية الصحافة وحق التعبير والنشر في إطار القانون، فإن ممارسة هذه الحرية تجري داخل منظومة قانونية تحدد أيضا الحالات التي يمكن أن تترتب فيها مسؤولية عن بعض الأفعال أو الأقوال. ولذلك لا يمكن حسم القضية لا بمنطق “كل ما قيل يدخل في حرية التعبير”، ولا بمنطق معاكس يعتبر كل طرح يصدم الاعتقاد السائد إساءة تستوجب العقاب.

إن مسألة صواب الفايد أو مخطئه بخصوص تفسير “أمية الرسول”؟ نقاش علمي مفتوح يمكن لأهل الاختصاص في التفسير واللغة والعقيدة أن يجيبوا عنه بالحجة. لكن هل يكفي الاختلاف مع تصور ديني أو تأويل لنص من أجل نقل صاحبه من موقع المتحدث المختلف إلى موقع المرتد الذي يستحق القتل؟

الجواب في المجال العمومي لا يمكن أن يكون خارج القانون. فاختلاف الآراء الدينية والفكرية يمكن أن يواجه بالنقد والمناظرة والتفنيد، أما تحويل الخلاف إلى تهديد لحياة صاحبه فهو انتقال إلى مستوى آخر تماما. وفي المقابل، يبقى من حق من يعتبر نفسه متضررا من مضمون معين أن يسلك الطريق القانوني، دون أن تتحول الشكاية إلى إدانة مسبقة.

القضية، بهذا المعنى، تجاوزت شخص الفايد نفسه. فهي تكشف مرة أخرى هشاشة النقاش العمومي حين تنتقل الأفكار من سياقها إلى مقاطع قصيرة، وحين يحل الاتهام محل النقاش، وحين يتحول الخلاف الفكري بسرعة إلى تكفير أو تهديد أو مطالبة بالعقاب. وبين حق الإنسان في التعبير وحق المجتمع في حماية ثوابته، لا ينبغي أن تكون النتيجة إلغاء أحدهما، بل الاحتكام إلى الحوار والحجة والقانون، داخل دولة حديثة يعتبر الاختيار الديمقراطي أحد ركائزها الدستورية الأساسية.

الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *