لم يكن الحكم الصادر أول أمس السبت 26 شتنبر 2026 عن محكمة الجنايات الاستئنافية في كريتاي مجرد محطة جديدة في قضية سعد لمجرد، بل شكل لحظة أعادت إلى الواجهة سؤالا يتجاوز الفنان نفسه: كيف يتعامل المجتمع مع القضايا الجنسية حين يكون أحد أطرافها نجما جماهيريا؟ وأين تنتهي مساحة التعاطف الإنساني مع شخص وعائلته، لتبدأ ضرورة احترام حكم قضائي وحقوق الطرف الآخر؟ وبينما ارتفعت عقوبة لمجرد من ست سنوات في الدرجة الأولى إلى عشر سنوات في الاستئناف، مع الأمر بإيداعه السجن، وجد الرأي العام نفسه أمام روايتين متوازيتين: رواية عائلة وفريق دفاع يتمسكان ببراءته ويثيران أسئلة حول مسار الملف، ورواية حقوقية واجتماعية ترى أن الشهرة لا ينبغي أن تتحول إلى عنصر يعيد ترتيب موقع الضحية والجاني في النقاش العمومي.
القضية التي حسمتها محكمة كريتاي تعود إلى أكتوبر 2016، حين التقى لمجرد لورا بريول في ملهى ليلي بباريس، قبل أن ينتقلا إلى غرفة فندق. وفي فبراير 2023 أدانته محكمة الجنايات في باريس بالسجن ست سنوات، بعدما خلصت إلى إدانته بالاغتصاب والعنف المشدد. وخلال جلسات الاستئناف التي انعقدت في شتنبر الجاري، ظل لمجرد ينفي واقعة الاغتصاب، فيما أشارت النيابة العامة الفرنسية إلى أن الإدانة الجديدة تتعلق باغتصاب مقترن بظرف مشدد هو وقوع الأفعال تحت تأثير الكحول. وطالبت النيابة بعقوبة ثماني سنوات، قبل أن تصدر المحكمة حكما بعشر سنوات، مع الإيداع الفوري في السجن.
فالاستئناف في هذه الحالة لم يكن طريقا مضمونا نحو تخفيف العقوبة. حيث ينص القانون الفرنسي، في المادة 380-3 من قانون المسطرة الجنائية، على أن محكمة الجنايات التي تنظر الاستئناف لا يمكنها تشديد وضع المتهم بناء على استئنافه وحده، بما يعني أن إمكانية رفع العقوبة ترتبط أيضا بوجود استئناف من جانب النيابة العامة. لذلك فإن انتقال الحكم من ست إلى عشر سنوات لا يشكل بحد ذاته مفارقة قانونية، حتى وإن بدا للرأي العام كذلك.
لكن التطور الأكثر حساسية جاء بعد الحكم، حين أعلنت المحامية ماري بورغوبورو أن دفاع لمجرد سيسلك طريق الطعن بالنقض، مع استمرار الفنان في التمسك ببراءته. والطعن بالنقض لا يمثل محاكمة ثالثة للوقائع بالمفهوم نفسه، وإنما يفتح باب مراقبة مدى احترام القانون وقواعد المسطرة، وهو ما يعني أن الملف لم يصل بعد إلى نهايته القضائية، من دون أن تكون هذه الخطوة في حد ذاتها مساوية لإلغاء الحكم أو إعلان البراءة.
وفي خضم ذلك، عاد ملف آخر إلى قلب النقاش: قضية محاولة الابتزاز المالي التي ارتبطت بملف لورا بريول. ففي أبريل 2026، برأت محكمة باريس لورا بريول من تهمتي محاولة الابتزاز وتكوين جمعية أشرار، بعدما كانت متهمة، بحسب ملخص النيابة والحكم، بالمطالبة عبر مدير أعمال لمجرد بمبلغ ثلاثة ملايين يورو مقابل سحب اتهامها أو عدم المثول أمام المحكمة. وفي المقابل، أدانت المحكمة خمسة أشخاص آخرين في شق محاولة الابتزاز، بينهم والدة بريول ومحامية ومؤثرة، بأحكام تراوحت بين ستة أشهر وسنتين مع وقف التنفيذ، بعدما خلصت إلى عدم وجود ما يثبت القصد الإجرامي للورا نفسها في هذا المسار.
وهنا اختلطت الأوراق في النقاش العمومي. وجود محاولة ابتزاز ثبتت قضائيا في ملف مرتبط بالقضية لا يعني أن الإدانة في قضية الاغتصاب أصبحت بلا أساس، كما أن تبرئة لورا في ملف الابتزاز لا تعني أن كل الوقائع التي أثارتها عائلة لمجرد حول المطالب المالية أصبحت بلا قيمة. فهما مسارين قضائيين مختلفين: الأول يتعلق بجريمة الاغتصاب التي صدر فيها حكم بالإدانة، والثاني يتعلق بمحاولة ابتزاز مستقلة انتهت بإدانة خمسة أشخاص وتبرئة لورا من المسؤولية الجنائية فيها.
من هنا اكتسبت رسالة زوجة سعد لمجرد، غيثة العلاكي، أهمية خاصة في النقاش المتجدد. فقد أعلنت تمسكها ببراءته، وقالت إن الأسرة قدمت ما لديها من مواد للسلطات، وإنها أبلغت عن مطالب مالية اعتبرتها محاولة لربط الحرية بالمال. وفي عبارة اختزلت موقفها، كتبت أن الأسرة سئلت: “ما هو ثمن حرية زوجي؟”، مضيفة أنهم رفضوا الدفع وأن زوجها يوجد اليوم في السجن. كما استحضرت سنوات الرقابة القضائية، قائلة إن لمجرد احترم الشروط المفروضة عليه وكان يعود إلى فرنسا متى طلب منه ذلك، معتبرة أن هذا السلوك كان تعبيرا عن ثقته في مسار العدالة.
أما والده الفنان البشير عبدو، فجاء موقفه أكثر مباشرة، إذ نشر على مواقع التواصل الاجتماعي تدوينة بعد الحكم جاء فيها: “ولدي سعد مظلوم مظلوم مظلوم بكل ما في الكلمة من معنى.. حكم جائر”، مؤكدا أن هيئة الدفاع قدمت ما وصفها بالأدلة الواضحة أمام المحكمة والنيابة العامة، ومتحدثا عن الصدمة التي تعيشها الأسرة. وبالنسبة إلى العائلة، لا يتعلق الأمر بالنسبة إليها فقط بالحكم الصادر، وإنما بقناعة راسخة بأن نجلها تعرض للظلم، وهي قناعة لا يمكن إسقاطها لمجرد صدور حكم قضائي، لكنها في الوقت نفسه تبقى موقفا عائليا لا يمكن التعامل معه بوصفه بديلا عن الحكم نفسه أو عن المسار القانوني الذي ما زال مفتوحا عبر النقض.
هذا الخطاب العائلي وجد صدى واسعا في الوسط الفني المغربي. فقد توالت رسائل التضامن من أسماء بينها دنيا بطمة، شذى حسون، هند سداسي، نجاة رجوي، زهير البهاوي، حاتم عمور وزينب أسامة، فيما ذهبت بعض الرسائل إلى استحضار شخصية لمجرد ومسيرته وعلاقاته الإنسانية، لا إلى مناقشة حيثيات الملف القضائي. وفي المقابل، انطلقت موجة أخرى من الانتقادات، ركزت على ضرورة الفصل بين الإعجاب بالفنان وبين الحكم القضائي الصادر في حقه، وعلى عدم تحويل التعاطف مع أسرته إلى تشكيك تلقائي في المدعية أو في مؤسسة القضاء.

وهذه الثنائية تضعنا أمام سؤال اجتماعي: لماذا تنصرف مساحات واسعة من التعاطف إلى مستقبل لمجرد، وزوجته، وأسرته ومشواره الفني، بينما تختفي في الخلفية لورا بريول وتجربتها خلال سنوات النزاع القضائي؟ فالخطاب الشعبي يعيد إنتاج السؤال التقليدي حول ذهاب المرأة إلى غرفة الرجل أو شربها أو استمرار علاقتها به، وكأن هذه التفاصيل تستطيع وحدها أن تحسم مسألة التراضي.
من جهتها تذهب إكرام عبدي إلى مستوى مختلف من النقاش. فالمسألة، في قراءة الكاتبة، لا تتوقف عند القضية نفسها، بل تكشف ضعفا أوسع في معرفة الأجيال بمفهوم الجسد والحدود الشخصية والتراضي. وتدافع عن إدماج حديث تربوي مسؤول عن الجنس والجسد في الأسرة والمؤسسات التعليمية، بما يتناسب مع العمر، وترى أن الصمت الاجتماعي حول هذه الموضوعات يترك مساحة واسعة للمعلومات المغلوطة وللاستغلال والعنف. وهكذا تلتقي مقالة عبدي مع مقالة العاجي في نقطة واحدة، رغم اختلاف المدخل: قضية لمجرد تحولت إلى مرآة لنقاش اجتماعي أوسع حول النساء والجسد والتراضي والتربية.
لكن أكثر ما يستحق التوقف ربما هو المسافة بين التعاطف والحكم على الوقائع. من حق والد أو زوجة أو صديق أن يتمسك ببراءة شخص قريب منه، ومن الطبيعي أن يتضامن فنانون مع زميل يواجه السجن. غير أن معرفة الشخص في حياته الخاصة لا توفر، من الناحية القانونية، حجة لنقض حكم قضائي. وفي المقابل، لا ينبغي أيضا أن تتحول الإدانة القضائية إلى مبرر لإسكات كل سؤال حول ظروف القضية أو حول محاولة الابتزاز أو حول أداء الدفاع. المسافة المهنية السليمة تقع في مكان أدق: يمكن مناقشة الحكم ومساره وأدلته وإجراءات الطعن، من دون صناعة محكمة شعبية جديدة على شبكات التواصل.
ومن المفارقات التي عمقت الجدل أن لمجرد لا يواجه هذا المسار القضائي في ملف واحد فقط. ففي 15 ماي 2026، أصدرت محكمة الجنايات في دراغينيان حكما منفصلا بسجنه خمس سنوات في قضية تعود إلى 2018 قرب سان تروبيه، بعد أن كانت النيابة العامة قد التمست عشر سنوات. وقد استأنف لمجرد ذلك الحكم، وبالتالي فهو ليس حكما نهائيا في المسار نفسه الذي انتهى في كريتاي إلى عشر سنوات. كما أن هذين الحكمين لا يصح جمعهما آليا للقول إن الفنان “يواجه 15 سنة” بوصفها عقوبة واحدة، لأنهما يتعلقان بملفين مختلفين ومسارين إجرائيين مستقلين.
وتكمن أهمية هذه التعددية في الملفات في أنها تفسر أيضا حدة الانقسام في الرأي العام. فبالنسبة إلى مؤيدي لمجرد، فإن توالي الملفات وما رافق بعضها من مطالبات مالية يبرر التشكيك في الرواية التي انتهت إلى الإدانة، بل إن بعض التعليقات ذهبت إلى انتقاد ما اعتبرته تشددا من القضاء الفرنسي. لكن هذه تبقى قراءات ومواقف سياسية واجتماعية وإعلامية، لا استنتاجات قضائية. وفي المقابل، يركز خطاب نسوي وحقوقي على أن كثرة النقاش حول شهرة المتهم وشخصيته ومكانته لا ينبغي أن تؤدي إلى تهميش الطرف الذي تقدم بشكوى، أو إلى إعادة مساءلته اجتماعيا عن لباسه وسلوكه وعلاقته السابقة بالرجل.
وفي العمق، ربما تكشف قضية سعد لمجرد مشكلة أوسع من القضية نفسها: مشكلة مجتمع يجد صعوبة في الفصل بين “الفنان” و”الشخص”، وبين الأغنية وصاحبها، وبين الحب والتعاطف من جهة، والمسؤولية القانونية من جهة أخرى. نجومية لمجرد لم تكن تفصيلا هامشيا في النقاش، بل كانت عنصرا مركزيا فيه؛ فالرجل الذي صنع قاعدة جماهيرية هائلة يجد جمهورا مستعدا للدفاع عنه بناء على صورة تكونت على امتداد سنوات من الأغاني والحفلات والظهور الإعلامي. لكن الشهرة، كما لا تثبت الإدانة وحدها، لا يمكن أن تثبت البراءة أيضا.
وهنا يصبح السؤال الذي تطرحه قضية لمجرد هو هل نستطيع أن نحترم المسار القضائي من دون أن نفقد حقنا في مناقشته؟ وهل يمكن أن نتعاطف مع عائلة تعيش صدمة السجن دون أن نحول هذا التعاطف إلى إدانة للمدعية؟ وهل نستطيع، في المقابل، أن ندافع عن حقوق النساء وضد العنف الجنسي من دون أن نجعل كل نقاش حول حكم قضائي ممنوعا أو مشبوها؟
حتى مساء 29 شتنبر 2026، تبقى الحقيقة الإجرائية الأكثر وضوحا أن سعد لمجرد أدين استئنافيا في قضية لورا بريول وحكم عليه بعشر سنوات مع الإيداع في السجن، وأن دفاعه أعلن الطعن بالنقض، فيما يظل حكم الخمس سنوات الصادر في ملف سان تروبيه منفصلا وقابلا للاستئناف. أما الحقيقة الاجتماعية الأوسع، فهي أن القضية كشفت مجددا هشاشة الحدود بين القضاء والرأي العام، وبين التضامن الشخصي والنقاش الحقوقي، وبين الدفاع عن فرد والدفاع عن مبدأ. وفي هذه المنطقة تحديدا ستستمر معركة سعد لمجرد، ولكن خارج قاعة المحكمة أيضا: في الإعلام، وعلى المنصات الرقمية، وفي النقاش حول معنى التراضي، وحقوق الضحايا، وحدود سلطة النجومية والحريات الفردية.

أمين طاهر، صحافي مغربي ومدير نشر ورئيس تحرير جريدة «البوصلة». حاصل على ماستر في التواصل والإعلام، وله تجربة في الصحافة والإنتاج الإعلامي والتكوين، ويشرف على الخط التحريري للموقع وتطوير محتواه الصحفي.
“الكلمة مسؤولية.. والحقيقة وجهة”
