لم تنتظر مكونات الأغلبية الحكومية إلى ما بعد الانتخابات لتبدأ في رسم حدودها السياسية الجديدة. فمنذ انطلاق الحملة الانتخابية، ظهرت إشارات متزايدة إلى أن الأحزاب التي اجتمعت داخل الحكومة خلال الولاية المنتهية أصبحت تخوض سباقا منفصلا، بل وأحيانا متعارضا، حول من يملك الحصيلة ومن يملك حق تقديم الوعود للمغاربة.
أوضح تجليات هذا التنافس برز في السجال بين عزيز أخنوش وفوزي لقجع حول نهائي كأس العالم 2030. فبعد تصريحات لقجع بشأن إمكانية احتضان الدار البيضاء لنهائي المونديال، خرج أخنوش للتأكيد على أن الأمر لم يحسم، داعيا إلى احترام الشركاء في تنظيم البطولة، بينما لم تكن “فيفا” قد أعلنت حسم الملعب الذي سيحتضن النهائي.
قد يبدو الخلاف، في ظاهره، متعلقا بتفصيل رياضي وتنظيمي. لكن وضعه داخل السياق الانتخابي يجعله أكثر دلالة. فالمونديال لم يعد مجرد ورش رياضي، وإنما أصبح جزءا من الصورة التي تقدمها الأحزاب للناخب بشأن المغرب الذي ستقوده خلال السنوات المقبلة.
المفارقة الأكبر أن أطراف هذا السجال تنتمي إلى الأغلبية الحكومية نفسها. ولذلك فإن السؤال لا يتعلق فقط بمن كان أكثر دقة في التعبير، وإنما بمن يملك حق الحديث باسم الحصيلة وباسم المشاريع الكبرى التي أنجزتها الحكومة أو توجد في طور الإنجاز.
هذا المنطق يتكرر في ملفات أخرى. فالأحزاب المشكلة للأغلبية تقدم برامج انتخابية خاصة بها، وتطرح أرقاما والتزامات تتعلق بالتشغيل والأجور والاستثمار والحماية الاجتماعية، وفي الوقت نفسه تسعى إلى الدفاع عن حصيلة حكومة شاركت في اتخاذ قراراتها وصياغة سياساتها.

هنا تظهر إحدى أكثر مفارقات انتخابات 2026 وضوحا: الحكومة تدخل نهاية ولايتها وهي مكونة من أحزاب تحتاج انتخابيا إلى إبراز اختلافاتها، بينما تحتاج في الوقت نفسه إلى الدفاع عن حصيلة مشتركة.
والسؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف يمكن لحزب أن يقدم نفسه بوصفه قوة تغيير، إذا كان جزءا من السلطة التي أنتجت الوضع القائم؟ وفي المقابل، كيف يمكنه أن يدافع عن الحصيلة الحكومية كاملة، من دون أن يترك مساحة لمنافسيه داخل الأغلبية لتقديم أنفسهم باعتبارهم البديل الأكثر قدرة على إدارة المرحلة المقبلة؟
لهذا السبب، فإن المعركة الحالية لا تدور فقط بين الحكومة والمعارضة. هناك معركة أخرى داخل المعسكر الحكومي نفسه، عنوانها من يقطف ثمار الحصيلة، ومن يتحمل كلفة القرارات التي لم تقنع الناخبين.
وكلما اقترب يوم الاقتراع، سيكون على الناخب أن يميز بين ثلاثة مستويات تختلط في الخطاب الانتخابي: ما أنجزته الحكومة فعلا، وما ينسبه كل حزب إلى نفسه من ذلك الإنجاز، وما يعد به للمستقبل.
في هذه المسافة تحديدا ستتحدد قيمة الخطاب الانتخابي. فالتنافس داخل الأغلبية ليس بالضرورة علامة على أزمة، لكنه يكشف أن مرحلة ما بعد 23 شتنبر ستكون مختلفة عن مرحلة ما قبله، وأن التحالفات التي حكمت السنوات الماضية قد لا تكون بالضرورة هي نفسها التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة.

أمين طاهر، صحافي مغربي ومدير نشر ورئيس تحرير جريدة «البوصلة». حاصل على ماستر في التواصل والإعلام، وله تجربة في الصحافة والإنتاج الإعلامي والتكوين، ويشرف على الخط التحريري للموقع وتطوير محتواه الصحفي.
“الكلمة مسؤولية.. والحقيقة وجهة”
