حكومة الأغلبية الرقمية: لماذا تبدو المفاوضات أصعب من الانتخابات؟
انتهت لغة الأرقام، وصمتت صناديق الاقتراع، وصدر التكليف الملكي. للوهلة الأولى، تبدو المهمة شبه منجزة؛ أغلبية رقمية واضحة، وخريطة سياسية لا تقبل التأويل. لكن بمجرد أن تُغلق أبواب غرف التفاوض، يكتشف الجميع المفارقة الكلاسيكية في السياسة: الفوز في الانتخابات شيء، واقتسام السلطة شيء آخر تماماً.
تكليف فاطمة الزهراء المنصوري بتشكيل الحكومة يضعها أمام أول، وربما أخطر، اختبار سياسي. المسألة هنا لا تتعلق بجمع العدد الدستوري المطلوب من المقاعد لضمان التنصيب البرلماني، بل بهندسة ائتلاف حكومي قادر على البقاء، والأهم، قادر على العمل.
فخ الأغلبية المريحة
في الديمقراطيات الناشئة، وحتى في أعرقها، غالباً ما تكون الأغلبية الرقمية الكبيرة فخاً سياسياً. عندما يكون الخيار متاحاً ومريحاً، ترتفع شهية الحلفاء المحتملين.
في الانتخابات، تتنافس الأحزاب بالبرامج والشعارات لجمع الأصوات، لكن على طاولة المفاوضات، تتفاوض بالأوزان لانتزاع الحقائب. هنا، يختفي الناخب، ويحضر “الوزن التفاوضي”. الأرقام المريحة تجعل كل حزب يعتقد أنه “بيضة القبان”، وأن غيابه سيفسد المشهد، مما يرفع تكلفة دخوله إلى الائتلاف. التفاوض هنا لا يكون حول “ماذا سنفعل؟”، بل حول “من سيأخذ ماذا؟”.
ائتلاف سلطة أم ائتلاف برنامج؟
السؤال المركزي الذي يواجه المنصوري اليوم هو طبيعة الحكومة التي تبنيها. هل نحن أمام “ائتلاف سلطة” تفرضه الضرورة العددية وإرضاء الأقطاب؟ أم “ائتلاف برنامج” توحده خطة عمل قابلة للتنفيذ؟
إذا كان الائتلاف مبنياً على تقاسم السلطة وتوزيع الحقائب السيادية والخدماتية بمنطق “الغنيمة الانتخابية”، فإننا سنكون أمام حكومة جزر معزولة. كل وزير سيتصرف كأنه رئيس حكومة في قطاعه، محمي بحزبه لا منضبطاً للبرنامج الحكومي المشترك. هذا النوع من الحكومات ينجح في نيل الثقة البرلمانية بسهولة، لكنه يتصدع عند أول أزمة اجتماعية أو اقتصادية حقيقية.
أما “ائتلاف البرنامج”، فيتطلب تنازلات مؤلمة. يعني أن تتخلى الأحزاب عن أجزاء من وعودها الانتخابية لصالح أرضية مشتركة واقعية. ويعني أيضاً أن توضع الكفاءة والقدرة على الإنجاز قبل الولاء الحزبي. وهو خيار مكلف حزبياً للمفاوضين، لكنه الأقل تكلفة سياسياً واجتماعياً على المدى المتوسط.
هندسة العقل والزمن المهدور
المواطن، الذي أدلى بصوته وانصرف إلى يومياته الضاغطة، يراقب هذا المشهد بكثير من التوجس. بالنسبة له، الوقت الذي يُهدر في “الفيتو” المتبادل بين الأحزاب، وفي صراع الأجنحة على المناصب الدسمة، هو وقت مستقطع من عمر التنمية، من معالجة التضخم، ومن خلق فرص الشغل.
هندسة الائتلاف تتطلب “ائتلاف عقل”؛ أي قيادة قادرة على فرض إيقاع تفاوضي يغلّب منطق الدولة وإكراهات المرحلة على منطق الترضيات الحزبية. قوة رئيسة الحكومة في هذه المرحلة لا تُقاس فقط بمن تنجح في إدخاله إلى التشكيلة، بل أساساً بمن تملك القدرة السياسية على إبقائه خارجها إذا كان ثمن دخوله هو إضعاف فعالية المؤسسة التنفيذية.
كلمة أخيرة
الأغلبية الرقمية تمنح الحكومة شرعية الوجود، لكن الانسجام وحده من يمنحها شرعية الإنجاز. في السياسة، أسوأ من الفشل في تشكيل حكومة، هو النجاح في تشكيل حكومة تحمل أسباب سقوطها في هندستها الأولى.
مقالات الرأي تعبّر عن آراء كتّابها، ولا تعبّر بالضرورة عن موقف البوصلة. حق الرد ←


