مراكش آسفي.. حين لا تصل التنمية إلى الجميع: العدالة المجالية أمام اختبار الواقع
قد تتسع واجهات المدن وتتعدد المشاريع، لكن السؤال التنموي الأصعب يظل معلقاً: هل تصل ثمار التنمية إلى المواطن حيثما كان، أم أن الموقع الجغرافي ما زال يحدد نصيبه من الخدمات والفرص؟
في جهة مراكش آسفي، حيث تتجاور الدينامية السياحية والاستثمارية مع الامتداد القروي والمجالات الجبلية، تفرض العدالة المجالية نفسها باعتبارها أحد أبرز رهانات التنمية. فنجاح الجهة لا يُقاس فقط بما تستقطبه من استثمارات أو بما تحتضنه من تظاهرات، بل أيضاً بقدرتها على تقليص الفوارق بين مراكزها الحضرية ومناطقها الطرفية.
تنمية بسرعتين؟
في محيط مراكش، كما في بعض المجالات القروية والجبلية بأقاليم الحوز وشيشاوة، وفي هوامش آسفي والصويرة، تظل أسئلة الولوج إلى الطرق والخدمات الصحية والتعليمية حاضرة في النقاش العمومي. وتبرز جماعات مثل أولاد ادليم والمنابهة وحربيل … ضمن المجالات التي تستحق رصداً ميدانياً دقيقاً لواقع التجهيزات الأساسية ومدى استفادة السكان من البرامج التنموية.
ولا يعني ذلك أن هذه المجالات متشابهة في حاجياتها أو أنها محرومة بالدرجة نفسها؛ بل إن التحدي يكمن في تحديد الفوارق الفعلية، جماعةً جماعةً، انطلاقاً من معطيات محينة ومؤشرات قابلة للتحقق، بدل الاكتفاء بالانطباعات العامة أو بالأرقام الإجمالية التي قد تخفي تفاوتات محلية.
الطرق والصحة والتعليم.. حيث تُقاس العدالة المجالية
في العالم القروي، لا تمثل الطريق مجرد ممر للتنقل، بل شرطاً للوصول إلى المدرسة والمجموعة المركزية وفرعياتها وكذا المركز الصحي والسوق وفرص العمل. وعندما تتدهور المسالك أو تتعطل بفعل التساقطات، تصبح المسافة عبئاً اقتصادياً واجتماعياً، وقد تتحول إلى عائق أمام انتظام الدراسة والعلاج وتسويق المنتجات المحلية.
وفي القطاع الصحي، يظل توزيع الأطر والتجهيزات ومدى انتظام الخدمات في المؤسسات القريبة من السكان من الأسئلة التي تستدعي أجوبة دقيقة. فاضطرار المرضى إلى التنقل نحو مراكش ليس مجرد مسألة مسافة، بل قد يعني كلفة إضافية ووقتاً ضائعاً وضغطاً أكبر على المؤسسات الاستشفائية المرجعية.
أما التعليم، فلا تُختزل تحدياته في توفير الحجرات الدراسية وتجهيزات المدرسة الرائدة وحدها؛ إذ تتداخل معها مسألة النقل المدرسي، وبعد المؤسسات، وظروف التمدرس، ومخاطر الانقطاع، خصوصاً في المناطق التي تواجه فيها الفتيات صعوبات إضافية في مواصلة الدراسة.
من إعلان المشاريع إلى قياس أثرها
تتطلب العدالة المجالية الانتقال من منطق الإعلان عن البرامج والميزانيات إلى قياس أثرها الفعلي على حياة السكان. وهنا تبرز مسؤولية المجالس المنتخبة والقطاعات الحكومية والمصالح الجهوية في نشر معطيات واضحة حول المشاريع المنجزة والمتعثرة، ومواقع توزيع الاستثمار العمومي، والفئات والمناطق المستفيدة منه.
كما تبرز مسؤولية الإعلام في تجاوز الاكتفاء بتغطية الاجتماعات والتدشينات، نحو تتبع الالتزامات ومقارنة الأهداف المعلنة بالنتائج المحققة، وإتاحة المجال لأصوات السكان والفاعلين المحليين، مع التمييز بين الوقائع المثبتة والشكاوى التي تحتاج إلى تحقق.
أي نموذج تنموي لجهة واحدة؟
إن الرهان ليس في المفاضلة بين مراكش السياحية وبقية أقاليم الجهة، ولا في التقليل من أهمية الاستثمار والبنيات الكبرى؛ بل في ضمان التكامل بين التنمية الحضرية والقروية، وبين جاذبية المجال الاقتصادي وحق السكان في الخدمات الأساسية والفرص المتكافئة.
فالتنمية التي لا تقلص الفوارق تظل تنمية غير مكتملة، والعدالة المجالية لا تُقاس بما يُنجز في مركز المدينة وحده، بل بما يتغير في حياة المواطن بأبعد جماعة وأصغر دوار.
ومن هنا يظل السؤال موجهاً إلى مختلف الفاعلين العموميين بجهة مراكش آسفي: ما المؤشرات التي ستُعتمد لقياس تقلص الفوارق بين الجماعات؟ وكيف ستُرتب الأولويات وفق حجم الحاجيات، لا وفق جاذبية المشاريع أو بريقها الإعلامي؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي للتنمية: أن تتحول من أرقام في التقارير إلى خدمات وفرص وكرامة يشعر بها المواطن، أينما كان داخل الجهة.


