يُفترض في أي نظام تمثيلي أن تُترجم صناديق الاقتراع إرادة الناخبين في اختيار من يمثلهم على أساس الكفاءة والبرنامج والثقة. لكن الممارسة الانتخابية في المغرب، كما في عدد من الديمقراطيات الناشئة، تكشف عن فجوة بين هذا الافتراض النظري وبين آليات الاختيار الفعلية التي تحكم سلوك الناخب. هذا المقال يحاول مساءلة هذه الفجوة: ما هي المعايير التي تحكم فعليًا اختيار البرلماني في المغرب؟ وهل تتقاطع هذه المعايير مع معيار “الأنسب” بالمعنى البرامجي والكفاءي، أم تحكمها منطقيات أخرى؟
أولاً: البنية المؤسساتية للاختيار
نمط الاقتراع
يُنتخب أعضاء مجلس النواب المغربي وفق نظام الاقتراع باللائحة النسبية في الدوائر المحلية، إلى جانب لائحة وطنية مخصصة للشباب والنساء. هذا النظام يعني أن الناخب لا يصوّت مباشرة لشخص بعينه في أغلب الحالات، بل للائحة حزبية يتصدرها مرشح معيّن، وهو ما يخلق أول مسافة بين “اختيار الفرد الأنسب” و”اختيار اللائحة الأقرب”.
هيمنة الاعتبار المحلي على البرامج الوطنية
في كثير من الدوائر، خصوصًا القروية وشبه الحضرية، يميل التصويت إلى الانبناء على معايير القرب الجغرافي والعائلي والقبلي أكثر من البرنامج الانتخابي الوطني للحزب. الناخب كثيرًا ما يبحث عمن “يعرفه” أو من ينتمي إلى محيطه الاجتماعي المباشر، لا بالضرورة عمن يملك أفضل تصور تشريعي أو رقابي.
ثانيًا: عوامل تؤثر في الاختيار خارج معيار “الكفاءة”
الخدمات المحلية والوساطة
يُظهر عدد من الدراسات والتقارير الحقوقية المغربية أن جزءًا واسعًا من الناخبين يقيّمون البرلماني بناءً على قدرته على “قضاء الحاجيات” المحلية – تسهيل حصول أفراد الدائرة على وظيفة، أو رخصة، أو خدمة إدارية – أكثر من تقييمه بناءً على أدائه التشريعي في الرباط (عدد الأسئلة الشفوية والكتابية، المشاركة في اللجان، اقتراحات القوانين). هذا يخلق نمطًا من “برلماني الخدمات” يتفوق أحيانًا على “برلماني السياسات العامة”.
العامل المالي والانتخابات “المكلفة”
يُشار في تقارير عدة، بما فيها تصريحات رسمية لمسؤولين مغاربة ومنظمات المجتمع المدني، إلى ظاهرة الإنفاق الانتخابي الكبير في بعض الدوائر، وما يُعرف إعلاميًا بـ”شراء الأصوات” أو الاستمالة المادية للناخبين، خصوصًا في الدوائر ذات الكثافة السكانية المحدودة حيث يكون تأثير المال أكثر مباشرة على النتيجة. هذا العامل، حين يتوفر، يُقصي عمليًا فئة من المرشحين الأكفاء الذين لا يملكون الإمكانات المالية اللازمة للمنافسة.
الانتماء الحزبي بوصفه علامة تجارية لا برنامجًا
كثير من الناخبين يصوّتون لحزب معيّن بناءً على انطباعات عامة أو ولاءات تاريخية أو تموقعه في المشهد (معارض/موالٍ، إسلامي/علماني، يساري/ليبرالي) دون اطلاع فعلي على برنامجه التفصيلي أو سجل أدائه البرلماني السابق، وهو ما يُضعف آلية المحاسبة الانتخابية التي يُفترض أن تُكافئ الأداء الجيد وتُعاقب الأداء الضعيف.
ضعف تتبع الأداء البرلماني الفردي
من الناحية العملية، لا تتوفر لدى غالبية الناخبين أدوات ميسّرة لتتبع أداء برلمانييهم بين دورة انتخابية وأخرى – عدد الجلسات التي حضروها، الأسئلة التي وجّهوها، القوانين التي بادروا بها – رغم أن بعض المنصات الإعلامية والمدنية بدأت تنشر مؤشرات من هذا القبيل في السنوات الأخيرة. غياب هذه المعلومة يجعل “الأنسب” مفهومًا يصعب قياسه فعليًا من طرف الناخب العادي وقت التصويت.
ثالثًا: عوامل تدفع باتجاه اختيار أكثر عقلانية
بالمقابل، لا يمكن اختزال المشهد كله في هذه الإشكاليات، إذ تشير معطيات أخرى إلى وجود دينامية إيجابية متنامية:
- تصاعد دور المرشحات والشباب عبر اللوائح الخاصة، الذي أتاح ولوج فئات كانت مقصية تقليديًا من مراكز القرار، وأدخل معايير كفاءة أكاديمية ومهنية جديدة إلى العرض الانتخابي.
- بروز إعلام رقمي ومنصات مجتمع مدني تتبع أداء البرلمانيين وتنشره، مما بدأ يخلق ضغطًا تدريجيًا نحو مزيد من الشفافية والمساءلة.
- تزايد وعي شريحة من الناخبين الحضريين، خصوصًا الشباب المتعلم، بأهمية البرنامج الانتخابي والسجل التشريعي، رغم أن هذه الشريحة تبقى غير ممثلة بالقدر الكافي في نسب المشاركة الانتخابية الإجمالية.
- الدور الرقابي للمحكمة الدستورية والقضاء الانتخابي في البت في الطعون المتعلقة بمخالفات مالية أو تلاعبات انتخابية، وإن كانت فعاليته وسرعته محل نقاش متكرر.
رابعًا: نسب المشاركة كمؤشر على أزمة الثقة
عامل آخر يستحق الانتباه هو تراجع نسب المشاركة في الانتخابات التشريعية المغربية عبر الدورات المتعاقبة، وهو ما يقرأه كثير من المحللين كمؤشر على أزمة ثقة أعمق بين المواطن والمؤسسة البرلمانية ذاتها، وليس فقط مسألة تتعلق بجودة الاختيار بين المرشحين. حين يشعر جزء واسع من الناخبين بأن البرلمان لا يملك سلطة فعلية على القرارات المصيرية، يتراجع حافزهم أصلاً للمشاركة في اختيار من يمثلهم فيه، بصرف النظر عن مدى “أنسبيّة” هذا المرشح أو ذاك.
إجابة مركّبة لا حاسمة
السؤال المطروح – هل يختار المواطن المغربي البرلماني الأنسب؟ – لا يحتمل إجابة بنعم أو لا قاطعة. فالممارسة الانتخابية تجمع بين:
- منطق تقليدي لا يزال حاضرًا بقوة، يقوم على القرابة والوساطة المحلية والانتماء العائلي/القبلي أكثر من الكفاءة البرامجية.
- منطق نامٍ ولو بوتيرة بطيئة، يدفع باتجاه مزيد من الوعي والمساءلة، مدعومًا بدخول فاعلين جدد (شباب، نساء، إعلام رقمي) إلى المعادلة.
- عوائق بنيوية (المال الانتخابي، ضعف المعلومة المتاحة عن الأداء، نمط الاقتراع باللائحة) تحدّ من قدرة الناخب على ممارسة اختيار “عقلاني” بالمعنى الأكاديمي للكلمة، حتى لو توفرت لديه الإرادة لذلك.
بعبارة أخرى، الفجوة بين “من يُنتخب” و”من هو الأنسب فعلاً” ليست خللاً أخلاقيًا في الناخب المغربي بقدر ما هي نتاج بنية سياسية واجتماعية واقتصادية معقدة، تتطلب إصلاحات متعددة المستويات – من تمويل الحملات الانتخابية إلى تعزيز الشفافية حول الأداء البرلماني – لتضييقها تدريجيًا، لا معالجتها بقرار أو استحقاق انتخابي واحد.

رجلٌ جعل من الإيجابية فلسفة، ومن الفعل طريقا، ومن الإنسان غاية
