شعار جريدة البوصلة

رأس المال الرمزي مقابل لقمة العيش: لماذا يمتنع الشباب المغربي عن العمل اليدوي؟

العمال

في أحد مقاهي بركان، يجلس شباب من الحي في منتصف النهار. القهوة أمامهم، والهواتف في أيديهم، والحديث واحد لا يتغير: “ما كاين خدمة”، “السوق ميت”، “الدولة ما كتفكرش فينا”.

المشهد نفسه، بالمفردات نفسها تقريباً، يتكرر في مقاهي الدار البيضاء وفاس ومراكش وطنجة وأكادير. من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب، صار هذا الحوار جزءاً من المشهد اليومي المغربي: شباب يشكون من غياب الفرص، بينما تقف على مقربة منهم فرص عمل حقيقية شاغرة، ينتظر أصحابها أيادي عاملة لا تجدها.

على بُعد كيلومترات من أي مقهى من هذه المقاهي، في مزرعة بضواحي إحدى المدن، يعمل شاب أجنبي — قد يكون ماليا أو سودانياً أو من دولة إفريقية أخرى — منذ الفجر تحت الشمس. يجني، ينقل، يحمل دون توقف. لا يشتكي، لا ينتظر أحداً، ولا يسأل عن الظروف. يعمل لأن العمل أمامه، وهو يراه فرصة حيث رآه غيره إهانة.

هذا المشهد المزدوج، المتكرر في مزارع سوس وحقول الغرب وبساتين الشرق وورشات البناء في كل المدن الكبرى، لا يطرح سؤالاً اقتصادياً بحتاً فحسب، بل سؤالاً اجتماعياً ونفسياً في العمق: لماذا يرفض إنسانٌ عملاً يقبله إنسانٌ آخر في الظروف نفسها؟ الجواب لا يوجد في نشرات التشغيل، بل في بنية المجتمع وبنية النفس معاً.

الكبرياء أم الأجر؟ السؤال الذي يُحرج الجميع

حين يُسأل شاب مغربي — من بركان أو وجدة أو تارودانت أو الحسيمة أو أي مدينة أخرى — لماذا لا يعمل في الفلاحة أو البناء أو الخدمات اليدوية، تتكرر الإجابات نفسها في كل مكان: “الأجر ضعيف”، “العمل متعب”، “هادي ماشي خدمتي”.

الإجابة الأولى مشروعة، ولا يمكن تجاهلها. الأجور في بعض هذه القطاعات فعلاً لا تكفي العيش الكريم، في ظل غلاء معيشة يطال كل جهات المملكة دون استثناء. عمال الفلاحة في مناطق عدة باتوا يطلبون أجوراً تفوق 200 درهم يومياً في مواسم الجني، وسط تذمر عام من ارتفاع الأسعار لا يقتصر على جهة دون أخرى.

لكن الإجابتين الثانية والثالثة تنقلان النقاش من خانة الاقتصاد إلى خانة علم الاجتماع مباشرة: إنهما تعبير عن وصمة اجتماعية تلصق بالعمل اليدوي في كل المغرب، وتجعل قبوله مساساً بالمكانة لا مجرد خيار مهني. والمفارقة أن كثيراً من المغاربة المهاجرين، من مختلف جهات البلاد، درسوا في بلدانهم الأصلية ثم قبلوا في أوروبا العمل في البناء والحقول والمصانع دون أي تردد. الشغل نفسه يُقبَل هناك ويُرفض هنا، من طنجة إلى الداخلة، والفارق ليس في طبيعة العمل بل في جماعة المرجعية الاجتماعية التي يقيس الفرد نفسه بها: في أوروبا لا ينظر إليه “أهل الحومة”، وفي المغرب ينظر إليه الجميع.

كيف يُصنع الرفض؟

من منظور علم الاجتماع، لا يُولد الإنسان وهو يحتقر عملاً بعينه؛ إنه يتعلّم هذا الاحتقار عبرالتنشئة الاجتماعية، أي مجموع الرسائل التي يبثها المحيط — الأسرة، المدرسة، الجيران، وسائل التواصل — حول ما هو “لائق” وما هو “معيب”. حين تتكرر هذه الرسائل جيلاً بعد جيل، تتحول إلى ما يسميه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو رأس المال الرمزي: مكانة اجتماعية غير مادية، لكنها تُقاس وتُتداول وتُدافَع عنها كما يُدافَع عن المال ذاته. رفض العمل اليدوي، في هذا الإطار، ليس كسلاً بقدر ما هو محاولة للحفاظ على رصيد رمزي يخشى الشاب أن يخسره أمام “أهل الحومة”.

أما من الزاوية النفسية، فإن الأمر يتقاطع مع مفهوم المقارنة الاجتماعية: الفرد لا يقيّم وضعه في المطلق، بل بالمقارنة مع أقرانه المباشرين. حين يرى الشاب أن “خدمة الغير مرموقة” وأن نظراءه في المقهى يفكرون بالطريقة نفسها، يتولّد لديه ما يشبه التنافر المعرفي : يعرف أن الجلوس بلا عمل خسارة، لكنه يبرره لنفسه بخطاب “الكبرياء” ليحمي تقديره لذاته من الاصطدام المباشر بواقع البطالة. وكلما طال أمد الانتظار دون نتيجة، يقترب بعض الشباب مما يسميه علماء النفس العجز المتعلَّم : قناعة راسخة بأن المحاولة لا تجدي، فيتحول انتظار “الفرصة المثالية” إلى غطاء نفسي مريح أمام الفشل المتكرر في إيجادها.

هنا بالضبط يلتقي علم الاجتماع بعلم النفس: البنية الاجتماعية تصنع الوصمة، والنفس الفردية تعيد إنتاجها كآلية دفاعية. لا يمكن إذن اختزال الظاهرة في “كسل الشباب” كما يحلو للبعض، ولا في “غياب فرص الشغل” كما يحلو لآخرين؛ إنها التقاء مركّب بين بنية اجتماعية تُصدر الحكم، ونفسية فردية تتبناه لتحمي نفسها منه.

جذر المشكلة: منظومة تُعلّم الاحتقار

المنظومة التعليمية المغربية، على امتداد كل الجهات، لم تُنصف العمل اليدوي يوماً. يواجه المغرب تحدياً ديموغرافياً واجتماعياً وطنياً يتمثل في وجود ملايين الشباب خارج منظومة التعليم والعمل والتكوين (فئة NEET)، وهي فئة أكثر عرضة للهشاشة الاقتصادية والانحراف والهجرة غير النظامية، في المدن كما في القرى، في الشمال كما في الجنوب.

لكن المشكلة أعمق من الأرقام الوطنية الجافة. الأسرة المغربية، أياً كانت جهتها أو وضعها الاجتماعي، التي تُرسل ابنها إلى المدرسة وتحلم بأن يصبح موظفاً أو طبيباً أو مهندساً، تُرسل في الوقت ذاته رسالة ضمنية واحدة في كل بيت مغربي تقريباً: العمل اليدوي خسارة وليس خياراً. هذه الرسالة، من منظور علم النفس التربوي، تُزرع في مرحلة مبكرة من تكوين الهوية لدى الطفل، فيكبر وقد ترسّخت لديه صورة ذهنية جامدة عن “العمل المحترم” و”العمل المُهين”، لا يستطيع لاحقاً أن يفكّكها بسهولة، سواء كان ذلك الطفل في حي شعبي بالدار البيضاء أو في دوار بجهة الشرق.

غياب ثقافة المقاولة والعمل المستقل في المناهج التعليمية المغربية، على المستوى الوطني، يُفرز أجيالاً كاملة تفتقر إلى الإيمان بأن الفرد قادر على تغيير واقعه بمبادرته الخاصة — وتُنتج بدل ذلك جيلاً ينتظر من يوظفه بدل أن يخلق فرصته بنفسه. الكبرياء إذاً ليس طبعاً فطرياً عند شباب جهة بعينها، بل نتاج تربية وثقافة ومنظومة تعليمية واحدة صنعته على مدى عقود، من الشمال إلى الجنوب، ومن الشرق إلى الأطلسي.

كلمة أخيرة

حين يُفضّل شاب مغربي البقاء في المقهى على أن يعمل في حقل أو ورشة بناء، بينما يملأ العامل الأجنبي الفراغ ويقتنص الفرصة، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: “أين الشغل؟”، بل صار سؤالاً في صميم علم الاجتماع وعلم النفس معاً: أي مغرب نريد أن نُربّي فيه أبناءنا — مغرب يزرع فيهم رأس مال رمزي يُقاس بنوع الوظيفة، أم مغرب يمنحهم مركز تحكم داخلياً يجعل كرامتهم كامنة في العمل نفسه، أياً كان؟

الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *