شعار جريدة البوصلة
آخر الأخبار

استطلاع إقليمي يكشف أولويات الشباب العربي في 2026.. الصحة أولاً والمغرب ضمن الفجوة

whatsapp image 2026 08 19 at 21.41.06

استطلاع إقليمي يرصد أولويات 6261 شاباً وشابة في 22 دولة عربية.. والرعاية الصحية تتصدر القائمة والمغرب ضمن الدول التي تسجل فجوة بين أولوية الصحة وإمكانية الولوج إليها

لرصد التحولات العميقة في أولويات الأجيال الصاعدة وتحديد ما يلامس حياتهم اليومية ومستقبلهم، كشف «استطلاع أولويات الشباب العربي 2026»، الذي استقى آراء 6261 شاباً وشابة تتراوح أعمارهم بين 15 و35 سنة في 22 دولة عربية، عن تصدر قطاعي الطب والرعاية الصحية قائمة الاهتمامات. واعتمد الاستطلاع، في نسخته الثانية، على منهجية تفاضلية (MaxDiff) لجمع البيانات عبر مقابلات إلكترونية وشخصية وهاتفية، بهدف القياس الدقيق لتوجهات الشباب.

تكشف نتائج «استطلاع أولويات الشباب العربي 2026» عن تحولات لافتة في اهتمامات الشباب بالمنطقة، حيث تصدرت الطب والرعاية الصحية قائمة الأولويات، متقدمة على التعليم عالي الجودة، والأسرة والعلاقات، وفرص العمل، والأمن المجتمعي.

الصحة في صدارة اهتمامات الشباب

حصلت الطب والرعاية الصحية على أعلى درجة أولوية في النتائج المجمعة، بمؤشر بلغ 96 نقطة، مقابل 75 نقطة للتعليم عالي الجودة، و74 نقطة للأسرة والعلاقات، و73 نقطة لكل من فرص العمل والأمن المجتمعي. ولا تقتصر أهمية النتيجة على ترتيب الصحة في المرتبة الأولى، بل تكشف المعطيات عن فجوة بين أهمية هذا القطاع وبين القدرة الفعلية على الوصول إلى خدماته. فالتقرير يشير إلى أن 55% من الشباب فقط يرون أنهم يتمتعون بإمكانية الوصول إلى الرعاية الصحية الأولية، بينما يرى 52% أن الفحوصات الطبية الوقائية يتم الترويج لها ويسهل الوصول إليها.

في المقابل، برزت تكلفة الأدوية والعلاج باعتبارها أحد أبرز العوائق أمام الشباب، إلى جانب محدودية التأمين الصحي والدعم المالي وطول فترات الانتظار للحصول على العلاج. ويظهر هذا التحدي بصورة أوضح في عدد من الدول العربية ذات القوة الشرائية المتوسطة والمنخفضة، حيث ترتفع أولوية الرعاية الصحية في الوقت الذي تنخفض فيه تصورات الشباب بشأن إمكانية الوصول إليها.

المغرب.. أولوية صحية مرتفعة مقابل ولوج محدود

يبرز المغرب ضمن الدول التي رصد فيها الاستطلاع أولوية مرتفعة للرعاية الصحية مقابل إمكانية وصول منخفضة نسبياً، إلى جانب الأردن وموريتانيا ولبنان والسودان. ويصنف التقرير المغرب ضمن مجموعة الدول العربية ذات القوة الشرائية المتوسطة، إلى جانب مصر والعراق والأردن ولبنان وتونس والجزائر وليبيا. وفي الحالة المغربية، احتلت الرعاية الصحية المرتبة الأولى من حيث الأولوية، فيما أشار الشباب المستجوبون إلى تحديات مرتبطة بالنظام الصحي باعتبارها من أبرز الإشكالات في هذا المجال.

وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة لأنها لا تعني بالضرورة أن الشباب المغاربة يعتبرون قطاع الصحة أكثر سوءاً من جميع القطاعات الأخرى، وإنما تشير، وفق منهجية الاستطلاع، إلى وجود فجوة بين مستوى الأولوية التي يمنحونها للرعاية الصحية وبين تصورهم لإمكانية الوصول إليها.

التعليم.. أولوية ثانية وتحديات مرتبطة بالكلفة والجودة

جاء التعليم عالي الجودة في المرتبة الثانية، بدرجة أولوية بلغت 75 نقطة. وبحسب النتائج، يرى 52% من الشباب المشاركين أنهم قادرون على الحصول على تعليم عالي الجودة، في حين تنخفض النسبة إلى 42% بالنسبة إلى من يرون أن تكلفة هذا التعليم مناسبة لهم. ويشير التقرير إلى أن أبرز التحديات المرتبطة بالتعليم تتمثل في ارتفاع التكاليف، واكتظاظ الفصول، وقدم المناهج الدراسية. كما يظهر اهتمام واضح لدى الشباب بتطوير مهاراتهم، ولا سيما مهارات اللغات الأجنبية والتكوين المهني والمهارات المرتبطة بالأدوات الرقمية.

وتكشف هذه النتائج عن أن مفهوم التعليم لدى شريحة واسعة من الشباب لم يعد مرتبطاً فقط بإمكانية الالتحاق بالمؤسسة التعليمية، بل أيضاً بجودة التكوين، وملاءمته لسوق العمل، وقدرته على توفير مهارات جديدة.

الأسرة تعود إلى الواجهة

من أبرز مستجدات نسخة 2026 إدراج «الأسرة والعلاقات» ضمن قائمة الأولويات، حيث احتلت المرتبة الثالثة، بدرجة بلغت 74 نقطة. ويشير التقرير إلى أن الشباب يعبرون عموماً عن مستوى مرتفع من الدعم الأسري، خصوصاً فيما يتعلق بالاحتياجات العاطفية، إلا أن الصورة تصبح أكثر تعقيداً عند الانتقال إلى مسألة تأسيس أسرة جديدة. فـ52% من الشباب يرون أنهم يستطيعون بسهولة إيجاد شريك محتمل، والنسبة نفسها تقريباً ترى أنها قادرة على التخطيط بأريحية للزواج أو تأسيس أسرة، بحسب المؤشرات الإجمالية الواردة في التقرير.

وتظهر الفجوة بصورة أكبر في الدول ذات القوة الشرائية المتوسطة والمنخفضة، حيث ترتبط مسألة تكوين الأسرة، وفق نتائج الاستطلاع، بتحديات اقتصادية واجتماعية تتجاوز البعد العاطفي وحده.

العمل.. الرغبة في دخل إضافي ومواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة

حلّت فرص العمل في المرتبة الرابعة، بدرجة أولوية بلغت 73 نقطة. وتكشف النتائج عن مفارقة واضحة: فبينما يقول 60% من الشباب إن لديهم فهماً واضحاً لمسارهم المهني، يرى 43% فقط أنهم يحصلون على أجور عادلة مقابل العمل الذي يقومون به. كما يشير التقرير إلى أن 38% يعتبرون أن الرواتب أقل من متطلبات المعيشة، فيما يرى 22% أن فرص العمل المتاحة لا تتلاءم مع مؤهلات الشباب.

وفي مواجهة هذه الصعوبات، يبرز توجه متزايد نحو الأعمال الحرة والمصادر الإضافية للدخل، بما يعكس رغبة لدى جزء من الشباب في تنويع مصادر دخلهم بدلاً من الاعتماد على وظيفة واحدة. ولا تبدو هذه الرغبة منفصلة عن التحولات التي يعرفها سوق العمل، إذ يظهر ضمن النتائج اهتمام الشباب بالوظائف التي تتطلب مهارات رقمية أو معرفة بالذكاء الاصطناعي.

الأمن المجتمعي يحتفظ بمكانته

احتل الأمن المجتمعي المرتبة الخامسة بدرجة 73 نقطة، ليظل واحداً من أبرز انشغالات الشباب العربي. ويقول 58% من الشباب إن أبرز التحديات التي تواجه مجتمعاتهم ترتبط بالأمن والجريمة، مع الإشارة إلى ارتفاع معدلات الجريمة، وضعف الإنارة في الشوارع، ومشكلات مرتبطة بتجارة أو تعاطي المخدرات.

ويختلف الإحساس بالأمن المجتمعي من دولة إلى أخرى، حيث تشير نتائج التقرير إلى مستويات أقل من الشعور بالأمان في عدد من الدول ذات القوة الشرائية المتوسطة والمنخفضة مقارنة بالدول ذات القوة الشرائية العالية.

الصحة النفسية والعدالة الاجتماعية.. أولويات تتقدم ولكنها لا تتصدر

بعد الأولويات الخمس الأولى، جاءت الصحة النفسية في المرتبة السادسة بـ66 نقطة، تلتها العدالة الاجتماعية بـ59 نقطة، ثم تطوير الذات بـ56 نقطة. أما الحياة الحضرية والنشاط والصحة البدنية فجاءتا في المرتبتين التاسعة والعاشرة، بـ46 و45 نقطة على التوالي.

وفي النصف الثاني من الترتيب، جاءت قضايا مثل الهوية والانتماء، وحرية التعبير، وريادة الأعمال، والأمن الرقمي، والبيئة والمناخ، والرقمنة والابتكار، وموثوقية المعلومات، والتنقل العالمي، والثقة في المؤسسات، والترفيه والثقافة. ولا يعني انخفاض ترتيب هذه القضايا أنها غير مهمة بالنسبة إلى الشباب، وإنما يعني أنها حصلت على أولوية نسبية أقل مقارنة ببقية المجالات العشرين التي شملها القياس.

ماذا تغير منذ استطلاع 2020؟

يقدم التقرير مقارنة مع النسخة الأولى من الاستطلاع الصادرة عام 2020، لكنه يحذر في الوقت نفسه من إجراء مقارنة مباشرة بين نتائج النسختين، بسبب اختلاف المنهجية وتحديث محاور الدراسة واعتماد طريقة مختلفة لقياس الأولويات. ومع ذلك، يشير التقرير إلى أن السلامة والأمن كانت في صدارة أولويات الشباب في نسخة 2020، تلتها جودة التعليم ثم الرعاية الصحية، بينما جاءت فرص العمل رابعة والتطوير الشخصي وبناء الذات خامساً.

أما في 2026، فقد انتقلت الرعاية الصحية إلى المرتبة الأولى، ودخلت الأسرة والعلاقات لأول مرة ضمن المراتب الخمس الأولى. وبالتالي، فإن التحول الأبرز الذي يمكن استخلاصه من التقرير لا يتمثل فقط في تغير ترتيب بعض القضايا، بل في اتساع الاهتمام بقضايا الحياة اليومية وجودتها: الصحة، التعليم، الأسرة، العمل والأمان.

الشباب العربي بين الأولويات والواقع

تقدم نتائج الاستطلاع صورة لشباب لا ينظر إلى المستقبل من زاوية واحدة. فالأولوية الأولى ليست بالضرورة مرتبطة بالتطلعات بعيدة المدى، وإنما بما يلمسه الشباب بصورة مباشرة في حياتهم اليومية. فالصحة تأتي أولاً، لكن كلفتها تشكل عائقاً؛ والتعليم يحتل المرتبة الثانية، لكن الجودة والكلفة لا تزالان تحديين؛ والأسرة تحتل موقعاً متقدماً، لكن تكوين أسرة جديدة يواجه صعوبات؛ والعمل أولوية أساسية، لكن مستوى الأجور وملاءمة الوظائف للمؤهلات يظلان مصدر قلق.

وفي هذا السياق، يمكن قراءة نتائج الاستطلاع باعتبارها مؤشراً على اتساع الفجوة بين ما يعتبره الشباب ضرورياً لحياة مستقرة وبين مستوى سهولة الوصول إلى هذه الخدمات والفرص. تضع نتائج استطلاع أولويات الشباب العربي 2026 صناع القرار أمام خريطة واضحة نسبياً لما يعتبره الشباب أساسياً في حياتهم: خدمات صحية يمكن الوصول إليها، تعليم ذو جودة وكلفة مناسبة، حياة أسرية مستقرة، فرص عمل ودخل عادل، ومجتمعات أكثر أمناً.

وبالنسبة إلى المغرب، تكتسب النتائج دلالة خاصة مع وجوده ضمن الدول التي تظهر فيها فجوة بين ارتفاع أولوية الرعاية الصحية وبين التصورات المتعلقة بإمكانية الوصول إليها.

لكن أهمية التقرير لا تكمن في ترتيب الأولويات فقط، بل في الأسئلة التي تطرحها الأرقام حول قدرة السياسات العمومية والبرامج الاجتماعية والاقتصادية على الانتقال من معرفة ما يريده الشباب إلى الاستجابة الفعلية لهذه الاحتياجات.

أمين طاهر

الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *