شعار جريدة البوصلة

من يحمي المريض حين يصبح الطب تجارة؟

الطب

في المادة الثانية من القانون رقم 131.13 المتعلق بمزاولة مهنة الطب، عبارة تستحق أن تُعلَّق على جدران كل مستشفى وكل عيادة وكل كلية طب في المغرب: الطب مهنة لا يجوز بأي حال من الأحوال أن تُمارَس باعتبارها نشاطاً تجارياً. طبيب مجرَّد من كل تأثير، لا يحركه إلا علمه ومعرفته وضميره وأخلاقه المهنية. عبارة نبيلة، مكتوبة بعناية، ومُصادَق عليها من البرلمان بغرفتيه. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل ما زال أحد يُصدِّقها؟

قانون يمنع التجارة… وواقع يكرّسها

المفارقة الأولى تبدأ من صلب القانون نفسه. فبينما تمنع المادة الثانية اعتبار الطب نشاطاً تجارياً، تأتي المادة 60 لتفتح الباب أمام تملّك المصحات من قبل شركات تجارية أو أشخاص اعتباريين لا علاقة لهم بالمهنة، بل يكفي أن يُعيَّن طبيب واحد “مديراً طبياً” ليصبح كل شيء قانونياً. صحيح أن المشرّع اشترط أن تبقى الإدارة الطبية مستقلة عن المالك، وصحيح أنه منع صراحة أن يُملي مالك المصحة على الطبيب قواعد تحد من استقلاليته، لكن من يراقب هذا المنع على أرض الواقع؟

القانون نفسه يجيب: تفتيش دوري لا يقل عن مرة في السنة، وافتحاص لا يزيد عن مرة كل ثلاث سنوات. ثلاث سنوات كاملة قد تمر على مصحة تُدار بمنطق العائد على الاستثمار قبل أن تطأها لجنة تفتيش. وحين تُكتشف المخالفة، ماذا ينتظر المخالف؟ غرامة تتراوح بين 50 ألف ومليون درهم لمن يفتح مصحة دون إذن، وغرامة لا تتجاوز 100 ألف درهم لمن يُشغّل طبيباً “كأجير” ويفرض عليه قواعد تحد من استقلاليته المهنية. أرقام قد تبدو مرتفعة على الورق، لكنها زهيدة أمام هامش ربح قطاع صحي خاص يتوسع بلا هوادة. حين تكون العقوبة أرخص من الجريمة، فإن القانون يتحول من رادع إلى تكلفة تشغيل يُحسب لها حساب في الميزانية.

الدولة بين الانسحاب والمراقبة الشكلية

الدولة، من جهتها، لم تُخفِ توجّهها. فتحت الباب أمام “الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص” لسد الخصاص في الخدمات الطبية، وتركت للمصحات حرية واسعة في تحديد أسعار خدماتها، مكتفية بإلزامها بالإعلان عنها في قاعات الانتظار. لكن الإعلان عن السعر ليس ضماناً للعدالة فيه، والمريض الذي يُنقل مستعجلاً لا وقت لديه للمقارنة بين التعريفات المعروضة على الجدران.

الأخطر أن آليات الحماية التي نص عليها القانون نفسه ظلت، في جوهرها، آليات داخلية: لجنة طبية للمؤسسة، ولجنة أخلاقيات، يُحدثهما المدير الطبي نفسه ويختار أعضاءهما من بين الأطباء العاملين في المصحة ذاتها. رقابة الزميل على زميله، وتقرير سنوي يُرفع إلى المجلس الوطني للهيئة والمجلس الجهوي، دون أن يكون هناك ما يضمن أن هذا التقرير سيُترجَم إلى إجراء فعلي. حين تُترك مراقبة المصلحة التجارية لجهات لا تملك سلطة القرار المالي، تبقى الأخلاقيات في المصحة توصية حسنة النية أكثر منها ضمانة قانونية.

قسم أبقراط الذي لا يُدرَّس

في أغلب كليات الطب المغربية، تبقى مادة الأخلاقيات الطبية هامشية من حيث الحجم الساعي، مقارنة بالمواد “العلمية الصرفة”. يتخرج الطالب حافظاً لتشريح الجسد وفيزيولوجيا أعضائه، لكنه لم يُخصَّص له الوقت الكافي ليتأمل في المعضلات الأخلاقية التي ستواجهه يومياً: كيف يوازن بين ما يمليه عليه صاحب المصحة وما يمليه عليه ضميره؟ كيف يتصرف حين يُطلب منه “ملء الأسرة” أو تحقيق “مردودية” يمنعها القانون صراحة في المادة 87؟ حين يُختزل التكوين الأخلاقي في محاضرات قليلة ومتفرقة، يصبح قسم أبقراط الذي يردده الخريجون في حفل التخرج مجرد طقس احتفالي، لا التزاماً مُستبطَناً يُوجّه الممارسة اليومية.

مادة الأخلاقيات الطبية ليست ترفاً أكاديمي، بل هي الحصن الأخير الذي يحمي استقلالية الطبيب حين يجد نفسه، بعد سنوات من التخرج، موظفاً في منظومة تُقيّم أداءه بعدد “الحالات” لا بجودة العلاج. من يُكوَّن جيداً على الصعيد الأخلاقي وهو طالب، يكون أقدر على مقاومة الضغط حين يصبح طبيباً يعمل تحت سقف مالك لا يعنيه إلا الرقم في آخر الشهر.

حين يغيب معيار الإنسانية

وفي قلب كل هذا، يبقى مبدأ أساسي نص عليه القانون بوضوح في مادته الثانية: أن يمارس كل طبيب مهنته في احترام تام لحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالمياً، دون أي تمييز كيفما كانت طبيعته لكن حين تتحول المصحة إلى مقاولة تبحث عن الزبون المُربح، وحين يُصبح المريض غير القادر على الأداء عبئاً بدل أن يكون حالة تستحق الرعاية، يغيب هذا المعيار الإنساني تدريجياً لصالح معيار آخر غير معلن: القدرة على الدفع. القانون يُلزم المصحات، في حالة “الثالث المؤدي”، بعدم مطالبة المرضى المؤمَّنين بضمانات نقدية تفوق ما يبقى على عاتقهم، لكن ماذا عن غير المؤمَّنين؟ وماذا عن المناطق التي لا تجد فيها المصحات الخاصة ربحاً كافياً لتستثمر فيها، فتُترك لخصاص مزمن في العرض الصحي العمومي؟

فمن يحمي المريض إذن؟

الجواب البسيط هو: القانون، لو طُبِّق بحرفيته وروحه معاً. لكن القانون وحده لا يكفي حين تكون آليات إنفاذه بطيئة، وعقوباته رمزية، ومراقبته داخلية أكثر مما هي مستقلة. المريض اليوم محميّ على الورق بمنظومة متكاملة من المواد القانونية، لكنه في الواقع يقف وحيداً أمام منظومة صحية تتقاطع فيها مصلحة الاستثمار مع رسالة العلاج، دون أن يكون هناك من يفصل بوضوح بينهما.

المطلوب ليس مزيداً من النصوص، بل إرادة فعلية: تشديد الرقابة الميدانية وتقليص الفترة الفاصلة بين عمليات التفتيش، رفع سقف العقوبات لتصبح رادعة فعلاً ، وإصلاح جذري لمناهج التكوين الطبي بحيث تحتل الأخلاقيات المهنية حيزاً زمنياً يوازي حجمها الحقيقي في الممارسة اليومية. وإلى أن يتحقق ذلك، سيبقى قسم أبقراط جملة جميلة تُتلى في يوم التخرج، وستبقى المادة الثانية من القانون 131.13 نصاً نبيلاً ننتظر أن يتحول من حبر على ورق إلى ممارسة يومية تحمي كرامة المريض قبل أن تحمي هامش ربح أحد.

الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *