يبدو أن الأحزاب المغربية نجحت أخيراً في شيء واحد على الأقل: تنظيم لقاءات تواصلية حاشدة قبل كل استحقاق انتخابي. أما البرامج، فتلك قصة أخرى، ربما تُروى لاحقاً، أو ربما لا تُروى أبداً.
في فاس، تتزاحم الأجندات السياسية هذه الأيام بشكل لافت. حزب يستعد لاستقبال أحد وجوهه البارزة لتقديم “خطوط عريضة” لبرنامج انتخابي، وحزب آخر يجهز محطة موازية مع أمينه العام، في مشهد يوحي للوهلة الأولى بأن المدينة مقبلة على معركة أفكار حقيقية. لكن المتأمل في تفاصيل هذه اللقاءات سرعان ما يكتشف أن المعركة الفعلية ليست حول الأفكار، بل حول من يملأ القاعة أكثر.
هذه هي المفارقة التي تستحق التوقف عندها: كلما اقترب موعد الاقتراع، كلما تضخّم الحديث عن “الحشد”، وتقلّص الحديث عن المضمون. والحشد هنا ليس مجرد كلمة عابرة، بل هو المنطق الحاكم لكامل المشهد السياسي المغربي في هذه المرحلة، سواء تعلق الأمر بحزب الأصالة والمعاصرة أو التجمع الوطني للأحرار أو غيرهما من الفرقاء.
الحشد كغاية، لا كوسيلة
من المفترض، نظرياً على الأقل، أن يكون الحشد التنظيمي وسيلة لتوصيل برنامج سياسي إلى الناخبين. لكن ما يحدث فعلياً هو العكس تماماً: البرنامج أصبح ذريعة لتنظيم الحشد. اللقاء التواصلي لم يعد مناسبة لعرض الأفكار ومناقشتها، بل أصبح استعراضاً للقوة التنظيمية، ومحطة لالتقاط الصور، ومناسبة لإثبات أن “الحزب لا يزال حاضراً بقوة” على الأرض.
وهنا تحديداً تبدأ الحكاية الحقيقية. فحين يُعلن حزب أن برنامجه الانتخابي يقوم على “مقترحات قابلة للتنفيذ”، فإن هذا التوصيف نفسه يحمل اعترافاً ضمنياً بأن التجربة السابقة لم تكن كذلك. فلماذا يحتاج حزب مشارك في الحكومة أو قريب منها إلى التأكيد على أن مقترحاته “قابلة للتنفيذ”، إن لم تكن التجربة الماضية قد تركت في الأذهان انطباعاً معاكساً؟
من القاعة إلى الشارع… مسافة طويلة
ثم ننتقل من مستوى الخطاب إلى مستوى الواقع. فحين يتحدث مسؤول حزبي عن “القدرة الشرائية” و”أوضاع المتقاعدين” في لقاء تنظيمي داخل قاعة مغلقة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: أين كان هذا الحديث خلال السنوات التي عرفت فيها الأسر المغربية تراجعاً محسوساً في قدرتها الشرائية، وفق ما تكرر تأكيده في تقارير المندوبية السامية للتخطيط حول تطور الأسعار والدخل؟ الجواب، للأسف، معروف: كان الحديث موجوداً، لكنه كان يُصاغ بصيغة الماضي أو المستقبل، نادراً بصيغة الحاضر الفعلي المُنجز.
والأمر لا يختلف كثيراً حين ننتقل من مستوى الخطاب الحزبي إلى مستوى البنية التنظيمية. فاللقاءات التحضيرية التي سبقت هذه المحطات، والتي جمعت القيادات المحلية بالقواعد الحزبية، تكشف منطقاً واضحاً: التعبئة تسبق البرنامج، والولاءات التنظيمية تُبنى قبل أن تُطرح الأفكار للنقاش. وهذا ليس عيباً حصرياً في حزب بعينه، بل سمة عامة تكاد تشمل أغلب الفاعلين السياسيين، أغلبية ومعارضة على حد سواء.
فاس كمرآة… لا كاستثناء
لكن المفارقة الأكبر لا تكمن في حزب واحد، بل في المدينة نفسها بوصفها ساحة اختبار. فاس، بثقلها الانتخابي وحساسيتها التاريخية، تتحول في كل استحقاق إلى مسرح مصغّر لكل ما يجري على المستوى الوطني: نفس الوجوه، نفس الخطاب حول “البرامج القابلة للتنفيذ”، ونفس المنافسة المحمومة على استعراض القوة التنظيمية بدل استعراض الحصيلة الفعلية.
والمفارقة أن هذا التنافس الحاد على الحشد يجري في وقت لا يفصل فيه المغاربة، بمن فيهم ناخبو فاس، عن الاقتراع سوى أسابيع قليلة. أي أن الوقت المتبقي للحوار الحقيقي حول القضايا الجوهرية – التشغيل، القدرة الشرائية، التعليم، الصحة – أصبح أقصر من الوقت المخصص لتنظيم اللقاءات التي يفترض أن تناقش هذه القضايا. وهنا، وليس في أي مكان آخر، تكمن السخرية الحقيقية للمشهد.
والمواطن؟ في القاعة، لكن ليس في الحسبان
في النهاية، يبقى المواطن العادي، الناخب الذي يُفترض أنه محور كل هذا الزخم، حاضراً بجسده في القاعات، غائباً في المعادلة الفعلية لصناعة القرار. يُستدعى ليصفّق، ويُستدعى ليصوّت، لكنه نادراً ما يُستدعى ليُسأل: ما الذي يريده فعلاً؟
وهكذا، تدخل فاس، كما تدخل باقي المدن المغربية، مرحلة “التعبئة” بكل معانيها الاستعراضية، تاركة السؤال الأهم معلقاً في الهواء: هل نحن أمام موسم انتخابي جديد، أم أمام إعادة إنتاج للموسم القديم نفسه، بوجوه مألوفة وخطاب مكرر؟ والجواب، على الأرجح، لن يُعرف من داخل القاعات المكيّفة، بل من صناديق الاقتراع وحدها.
