المنصوري وإدارة الدفاع الوطني.. ماذا وراء التفويض الملكي؟
في قطاع لا يحتمل الخلط بين تدبير الإدارة وقيادة المؤسسة العسكرية، صدر ظهير ملكي يفوض إلى رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري ممارسة الاختصاصات المتعلقة بتسيير إدارة الدفاع الوطني. خطوة تستحق التوقف عندها، ليس لأنها تنقل قيادة الجيش إلى رئاسة الحكومة، كما قد توحي قراءة متسرعة للقرار، بل لأنها تحدد موقع رئيسة الحكومة داخل منظومة تدبير قطاع يرتبط مباشرة بأمن الدولة ومصالحها الاستراتيجية.
الظهير الشريف رقم 1.26.92، الصادر في 21 أكتوبر 2026 المنشور في العدد 7554 من الجريدة الرسمية بتاريخ 22 أكتوبر، يضع إطارا قانونيا لممارسة هذه الاختصاصات، تحت سلطة الملك محمد السادس، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية. وبين ما يمنحه النص لرئيسة الحكومة وما يحتفظ به الدستور للملك، تتحدد المساحة الحقيقية لهذا القرار، بعيدا عن المبالغة في دلالاته أو اختزاله في إجراء إداري عابر.
ما الذي تغير فعلا؟
جوهر الظهير هو تفويض الاختصاصات المتعلقة بتسيير إدارة الدفاع الوطني إلى رئيسة الحكومة، مع تمكينها من تفويض الإمضاء أو التأشير على القرارات والمقررات الداخلة في نطاق هذه الاختصاصات إلى الوزير المنتدب المكلف بإدارة الدفاع الوطني، عبد اللطيف لوديي، وإلى موظفي الإدارة المعنيين، وفق الشروط القانونية المحددة.
ويعني ذلك أن النص ينظم ممارسة الاختصاصات الإدارية داخل القطاع، ويحدد الإطار الذي يمكن أن توزع ضمنه بعض مهام التوقيع والتأشير. لكنه لا ينص على نقل القيادة العسكرية العليا إلى رئيسة الحكومة، ولا يمنحها صفة القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية.
وهنا يكمن الفارق فتسيير إدارة الدفاع الوطني شيء، والقيادة العليا للقوات المسلحة الملكية شيء آخر، فالفصل 53 من الدستور يسند إلى الملك صفة القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية، فيما يتعلق الظهير باختصاصات تسيير الإدارة.

لماذا يستحق القرار الاهتمام؟
لأن الأمر يتعلق بقطاع لا تقاس أهميته بحجم حضوره في الأخبار اليومية، وإنما بطبيعة المسؤوليات التي يضطلع بها داخل الدولة. فتحديد الجهة المخولة ممارسة اختصاصات تسيير إدارة الدفاع الوطني يكتسي أهمية مؤسساتية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بوضوح المسؤوليات وحدود الاختصاصات وكيفية ممارسة السلطة داخل الإدارة.
لكن هل يعني هذا التفويض تحولا في السياسة الدفاعية للمملكة، أو إعادة ترتيب لمراكز القرار داخل الدولة؟
لا يقدم الظهير، في حد ذاته، ما يكفي للجزم بذلك. فهو لا يعلن عن تغيير في العقيدة الدفاعية، ولا يتضمن مقتضيات تنقل القيادة العسكرية العليا، ولا يقدم تعليلا سياسيا مفصلا لدوافع التفويض.
ومع ذلك، فإن غياب إعلان عن تحول استراتيجي لا يلغي أهمية القرار؛ فالتفويض يحدد المسؤولية عن ممارسة اختصاصات إدارية داخل قطاع حساس، ويضعها ضمن إطار قانوني واضح، وهو ما يجعل كيفية تنزيله عمليا موضوعا مشروعا للمتابعة الصحفية.
لوديي في معادلة التدبير
يمنح الظهير رئيسة الحكومة إمكانية تفويض الإمضاء أو التأشير على القرارات والمقررات المعنية إلى الوزير المنتدب المكلف بإدارة الدفاع الوطني والموظفين المختصين، مع استثناء المراسيم والقرارات التنظيمية من هذا التفويض.
وهذا المقتضى مهم لفهم طبيعة القرار؛ إذ لا يعني إسناد الاختصاصات إلى رئيسة الحكومة أن كل إجراء إداري سيصبح رهينا بتوقيعها الشخصي، بل يتيح النص توزيع بعض مهام الإمضاء والتأشير وفق ضوابط محددة.
وبذلك، لا يتعلق الأمر فقط بمن يمارس الاختصاص، بل أيضا بكيفية تنظيم ممارسة هذا الاختصاص داخل الإدارة، والحدود القانونية التي تضبط العلاقة بين رئيسة الحكومة والوزير المنتدب والأطر المعنية.
أما تقييم أثر هذا التنظيم على سير الإدارة، فلا يمكن حسمه انطلاقا من النص وحده. فذلك يظل مرتبطا بالممارسة الفعلية، وبطبيعة القرارات المتخذة، ومدى وضوح المسؤوليات المترتبة عنها.
ما الذي ستكشفه المرحلة المقبلة؟
الاختبار الحقيقي لهذا التفويض سيتجلى في كيفية تنزيله. هل ستظل المسؤوليات موزعة بوضوح بين رئاسة الحكومة وإدارة الدفاع الوطني؟ وكيف ستتم ممارسة الاختصاصات المفوضة وتوزيع مهام الإمضاء والتأشير؟ وما الأثر العملي لهذا التنظيم على تدبير الملفات الداخلة ضمن نطاقه؟
هي إذن أسئلة مشروعة تستحق المتابعة، في ظل قرار يعيد تحديد إطار ممارسة المسؤوليات داخل قطاع ذي حساسية استراتيجية.

فالظهير يحدد الأساس القانوني للتفويض، لكنه لا يقدم وحده تقييما لنتائجه، ولا يتيح استنتاج تحول أوسع في السياسة الدفاعية للمملكة. ومن هنا، تصبح متابعة القرارات والممارسة الفعلية الطريق الأكثر منطقية لفهم ما إذا كان لهذا التنظيم أثر يتجاوز تحديد الاختصاصات إلى تحسين التدبير الإداري.
من المعطي بوعبيد إلى المنصوري.. تفويض يتجدد واختصاصات لا تنتقل
لا يمثل التفويض الممنوح لفاطمة الزهراء المنصوري سابقة في تاريخ تدبير الدفاع الوطني بالمغرب؛ فقد عرف هذا المسار امتدادا تاريخيا يعود، على الأقل، إلى عهد الملك الحسن الثاني، حين صدر في 29 مارس 1979 ظهير شريف يفوض السلطة في ما يتعلق بإدارة الدفاع الوطني إلى الوزير الأول المعطي بوعبيد. كما تجددت هذه الصيغة في مراحل لاحقة، من بينها تفويض الاختصاصات المتعلقة بإدارة الدفاع الوطني إلى رئيس الحكومة عزيز أخنوش سنة 2021.
الجديد، إذن، ليس في مبدأ التفويض، بل في الجهة التي تتولاه اليوم والسياق الحكومي الذي يندرج فيه؛ إذ أصبحت رئيسة الحكومة، للمرة الراهنة، صاحبة الاختصاصات المفوضة في تسيير هذه الإدارة، وفق ما يحدده الظهير.
وتكشف هذه الاستمرارية عن صيغة مؤسساتية تتجدد مع تغير رؤساء الحكومات، من دون أن يعني ذلك انتقال القيادة العليا للقوات المسلحة الملكية من الملك إلى رئيس الحكومة. وبين استمرارية القاعدة واختلاف شاغلي المنصب، تظل المسألة الأهم هي حدود الاختصاصات المفوضة وكيفية ممارستها عمليا، لا مجرد هوية المسؤول الذي أُسندت إليه.
بين ضجيج التأويل ودقة النص
يمنح الظهير الملكي رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري صلاحية ممارسة الاختصاصات المتعلقة بتسيير إدارة الدفاع الوطني، لكنه لا ينقل إليها القيادة العليا للقوات المسلحة الملكية.
سياسيا، يستحق القرار الاهتمام لأنه يتعلق بتنظيم المسؤوليات داخل قطاع استراتيجي. وقانونيا، تظل دلالته محكومة بحدود التفويض وبالفصل 53 من الدستور. أما صحفيا، فإن أهميته لا تكمن في تضخيمه باعتباره تحولا في قيادة الجيش، ولا في التعامل معه كإجراء روتيني لا يستحق النقاش، بل في تفسير ما يضيفه فعلا إلى بنية التدبير الحكومي.
ففكيف إذن ستتم ممارسة الاختصاصات المفوضة لرئيسة الحكومة، وما الذي ستكشفه القرارات المقبلة عن طبيعة هذا التفويض وأثره العملي.
مقالات الرأي تعبّر عن آراء كتّابها، ولا تعبّر بالضرورة عن موقف البوصلة. حق الرد ←


