الأحد 1 نونبر 2026
البوصلة الآن
اقتصاد الصويرة تفتح نافذة جوية على الدار البيضاء.. هل تتحول الرحلات إلى رافعة للاقتصاد المحلي؟
رأي وتحليل

مراكش تستقبل الملايين.. فمن يستقبل أسئلة التنمية؟

مراكش تستقبل الملايين.. فمن يستقبل أسئلة التنمية؟

     أكثر من 8.1 ملايين مسافر عبر مطار المنارة خلال تسعة أشهر.. رقم يعكس جاذبية المدينة، لكنه يضع البنية التحتية والخدمات والعدالة المجالية أمام امتحان حقيقي.

     لم تعد مراكش مجرد وجهة سياحية تستقبل الزوار، بل أصبحت بوابة جوية رئيسية للمغرب، تؤكد أرقامها المتصاعدة مكانتها في خريطة السفر الدولية. لكن خلف الأرقام المشرقة سؤال لا ينبغي تأجيله: هل تتحول هذه الحركة المتنامية إلى تنمية تخدم ساكنة المدينة، أم تظل مؤشراً سياحياً واقتصادياً لا تكفي أرقامه وحدها للحكم على أثره الاجتماعي؟

     وفق معطيات المكتب الوطني للمطارات، استقبل مطار مراكش المنارة 8 ملايين و113 ألفاً و680 مسافراً خلال الأشهر التسعة الأولى من سنة 2026، مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 9.88 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية. وخلال شهر شتنبر وحده، بلغ عدد المسافرين 877 ألفاً و833، بزيادة 7.65 في المائة.

      وتكشف الأرقام أيضاً عن هيمنة الحركة الدولية، التي بلغت نحو 7.75 ملايين مسافر خلال الفترة نفسها، مقابل حوالي 368 ألف مسافر عبر الرحلات الداخلية. وهي مؤشرات تعكس قوة ارتباط مراكش بالأسواق الخارجية، كما تبرز الحاجة إلى تعزيز التكامل بين النقل الجوي والربط الداخلي.

مطار يتوسع … ومدينة مطالبة بمواكبة النمو

      لا يمكن فصل هذه الدينامية عن الأوراش المبرمجة لتطوير مطار مراكش المنارة. فمشروع التوسعة وإعادة التهيئة يستهدف رفع الطاقة الاستيعابية للمطار إلى 16 مليون مسافر سنوياً، من خلال توسيع المحطة الجوية وتحديث مرافقها ومواقف الطائرات، فضلاً عن تطوير البنيات المرتبطة بحركة المسافرين.

     كما تندرج هذه المشاريع ضمن استراتيجية” مطارات 2030 “، التي تراهن على تحديث البنيات المطارية ومواكبة النمو المتوقع في حركة النقل الجوي، استعداداً للاستحقاقات الكبرى، وفي مقدمتها تنظيم كأس العالم 2030.

      غير أن تطوير المطار، مهما بلغت أهميته، لا ينبغي أن يُختزل في توسيع المحطة أو زيادة قدرتها على استقبال الطائرات والمسافرين. فالمطار ليس جزيرة معزولة عن المدينة، بل مدخل إلى مجال حضري واقتصادي واجتماعي ينبغي أن يستفيد من ديناميته.

من أرقام السياحة إلى أسئلة الحياة اليومية

      حين يرتفع عدد المسافرين، ترتفع معه أهمية النقل من المطار وإليه، وتتزايد الحاجة إلى خدمات استقبال منظمة، ووسائل نقل ملائمة، وبنية طرقية قادرة على استيعاب الحركة، فضلاً عن خدمات سياحية تحترم جودة التجربة وكرامة العاملين والساكنة.

وهنا تبرز أسئلة تستحق أن تكون في صلب النقاش العمومي:

  • هل تواكب خدمات النقل الحضري وسيارات الأجرة وسيارات النقل السياحي نمو حركة المسافرين؟
  • وهل يستفيد النسيج الاقتصادي المحلي، خصوصاً المقاولات الصغيرة والتعاونيات والصناعة التقليدية، من توسع النشاط السياحي؟
  • وهل تخلق هذه الدينامية فرص شغل مستقرة تحفظ كرامة العاملين، أم تظل بعض فرصها موسمية وهشة؟
  • وهل يجري توزيع ثمار السياحة على مختلف أحياء المدينة ومحيطها، أم تتركز المنافع في مجالات محدودة، بينما تتحمل مناطق أخرى كلفة الضغط العمراني والبيئي؟

     إن هذه الأسئلة لا تنتقص من أهمية النمو السياحي، بل تمنحه معناه التنموي. فنجاح الوجهة لا يقاس فقط بعدد الوافدين، وإنما كذلك بجودة الخدمات، واستدامة الموارد، ونصيب السكان من الفرص التي تنتجها الحركة الاقتصادية.

مراكش بين واجهة الاستقبال وعمق المجال

     تستحق مراكش أن تستثمر موقعها السياحي والجوي في بناء نموذج تنموي أكثر تكاملاً، يربط المطار بالمدينة، والمدينة بمحيطها الجهوي، والسياحة بالثقافة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي.

     وهذا يقتضي تنسيقاً فعلياً بين المكتب الوطني للمطارات، والسلطات المحلية، والمنتخبين، والفاعلين السياحيين، ومهنيي النقل، ومكونات المجتمع المدني. كما يتطلب مؤشرات تتجاوز عدد المسافرين، لتشمل فرص الشغل المحدثة، ومردودية المقاولات المحلية، وجودة النقل والخدمات، والأثر البيئي، ومدى استفادة المجالات المجاورة.

      فمراكش لا تحتاج فقط إلى مطار يستقبل ملايين المسافرين، بل إلى مدينة قادرة على استقبال آثار هذا النمو وتدبيرها بذكاء وإنصاف.

الرهان الحقيقي: تنمية لا تكتفي بالواجهة

     إن بلوغ مطار المنارة أرقاماً قياسية، وتوسيع طاقته الاستيعابية، وتعزيز الربط الجوي، كلها مكاسب مهمة. لكن التحدي الأكبر هو ألا تتحول مراكش إلى واجهة سياحية ناجحة على مستوى المؤشرات، بينما تظل أسئلة النقل والتشغيل والعيش الكريم والعدالة المجالية مؤجلة.

     فإذا كان المطار يستقبل الملايين، فمن يستقبل أسئلة التنمية؟ ومن يحول هذا الزخم السياحي إلى فرص ملموسة في حياة المراكشيين؟

     ذلك هو الامتحان الحقيقي الذي ينبغي أن تقاس به حصيلة النمو، لا بعدد الطائرات التي تحط بالمطار وحده، بل بما تتركه من أثر إيجابي ومستدام في المدينة وساكنتها.

شارك المقال

تمثّلون مؤسسة ورد ذكرها في هذه المادة؟ أرسلوا حق الرد

مقالات الرأي تعبّر عن آراء كتّابها، ولا تعبّر بالضرورة عن موقف البوصلة. حق الرد ←

عبد اللطيف سندباد

كاتب صحفي وباحث في قضايا المجتمع والتنمية الإنسانية

عبد اللطيف سندباد، كاتب صحفي وباحث أدبي،كوتش محترف معتمد وفق معايير ICF، مستشار أسري، وفاعل تربوي ومدني...

راكم تجربة مهنية متعددة امتدت بين التربية والتعليم، والإعلام والصحافة، والبحث الأدبي، والتكوين والكوتشينغ؛ فقد اشتغل في المجال التربوي والإداري لأكثر من 36 سنة، وفي الصحافة والثقافة لأكثر من 20 سنة، كما تولى سابقاً مسؤولية إدارة نشر جريدة «فضاءات تانسيفت» ومنصة «فضاءات».

ألّف كتاب «التجربة والرؤيا: شعر عبد الكريم الطبال أنموذجاً» الصادر سنة 2020، ونشر عدداً من المقالات والدراسات في الأدب والنقد والتربية والتنمية الإنسانية.

ويواصل عبد اللطيف سندباد مساره المهني من خلال الكتابة الصحفية والفكرية، والكوتشينغ والاستشارات الأسرية، انطلاقاً من رؤية تقوم على الإصغاء، والوعي، والتفكير النقدي، وخدمة الإنسان والمجتمع...

ويشارك في تجربة «البوصلة» بصفته المنسق الجهوي لجهة مراكش آسفي، مساهماً في رصد القضايا والوقائع والطاقات المحلية، وإنتاج محتوى إعلامي يجمع بين المهنية، والتحليل، والبعد الإنساني.

كل مقالات عبد اللطيف سندباد ←
فيسبوك
💬 شارك عبر واتساب