الأربعاء 4 نونبر 2026
البوصلة الآن
سياسة مبادرة “حزب الوحدة”.. بين الرافد العبري وحدود التأسيس الحزبي في المغرب

مبادرة “حزب الوحدة”.. بين الرافد العبري وحدود التأسيس الحزبي في المغرب

مبادرة “حزب الوحدة”.. بين الرافد العبري وحدود التأسيس الحزبي في المغرب

أعادت وثيقة متداولة تعلن الشروع في تأسيس حزب سياسي جديد بالمغرب، تحت اسم «حزب الوحدة» باللغة العربية و«الليكود» باللغة العبرية، النقاش حول موقع المكون اليهودي في الحياة السياسية المغربية، وحدود التمييز بين الاعتراف بالتعدد الديني والثقافي للمجتمع وبين تأسيس تنظيم حزبي يجعل الانتماء الديني مرجعية له. وهي مبادرة تستحضر في وثيقتها محطات من تاريخ العلاقات المغربية اليهودية، إلى جانب التطورات الدبلوماسية التي عرفتها المملكة خلال السنوات الأخيرة، لكنها تطرح، في المقابل، أسئلة قانونية وسياسية تتجاوز مجرد الإعلان عن تأسيس تنظيم جديد.

وتفيد الوثيقة، التي تحمل عنوان «التصريح بتأسيس حزب»، بأن رئيس اللجنة التأسيسية، قد أعلن الشروع في تأسيس الحزب ابتداء من 31 أكتوبر 2026، متخذا من «حزب الوحدة» اسما باللغة العربية، ومن «מפלגת הליכוד» تسمية باللغة العبرية، وهي العبارة التي تشير إلى حزب الليكود الإسرائيلي. وتقدم الوثيقة المشروع باعتباره تنظيما يستند إلى البيعة والولاء للمؤسسة الملكية، والتشبت بالوحدة الترابية والثوابت الوطنية والاختيار الديمقراطي، كما تعلن صراحة اتخاذ الدين اليهودي مرجعية للحزب، مع إيلاء اهتمام خاص لليهود من أصول مغربية المقيمين خارج المملكة وأبنائهم وأحفادهم.

ولا تأتي المبادرة معزولة عن سياق تاريخي ودبلوماسي أوسع، إذ تسرد الوثيقة عددا من المحطات التي يعتبرها أصحابها مؤطرة لمشروعهم. وتبدأ بالخطاب الملكي الذي ألقاه محمد السادس في 30 مارس 2019، خلال الاستقبال الرسمي للبابا فرنسيس بالرباط، والذي أكد فيه الملك أهمية الحوار بين الأديان وضمان حرية ممارسة الشعائر الدينية، وحماية اليهود المغاربة والمسيحيين المقيمين بالمملكة. كما تستحضر الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء في 10 دجنبر 2020، والإعلان الثلاثي الموقع بالرباط في 22 دجنبر من السنة نفسها بين المغرب والولايات المتحدة وإسرائيل، والذي نص على استئناف العلاقات الرسمية الكاملة بين المغرب وإسرائيل وإعادة فتح مكتبي الاتصال بالرباط وتل أبيب.

وتحضر في الوثيقة أيضا زيارات مسؤولين إسرائيليين إلى المغرب خلال سنة 2023، من بينهم رئيس الكنيست آنذاك أمير أوحانا، الذي قام بزيارة رسمية للمملكة في يونيو من السنة نفسها، ووزيرة النقل الإسرائيلية ميري ريغيف، التي زارت المغرب في ماي 2023 ووقعت مع نظيرها المغربي اتفاقيات تعاون في مجال النقل البحري والاعتراف المتبادل برخص السياقة والسلامة الطرقية. وتكشف هذه الإحالات أن أصحاب المبادرة يضعون مشروعهم ضمن سياق التقارب الدبلوماسي واستحضار الروابط التاريخية والثقافية بين المغرب واليهود من أصول مغربية. غير أن هذه المحطات، رغم أهميتها في فهم خلفية المبادرة، لا تشكل في حد ذاتها إعلانا عن دعم رسمي لتأسيس الحزب أو إقرارا بمشروعيته القانونية.

ومن بين الإشارات اللافتة كذلك ربط تاريخ انطلاق المبادرة بيوم 31 أكتوبر، الذي يصادف عيد الوحدة. وكان الديوان الملكي قد أعلن، في بلاغ صدر يوم 4 نونبر 2025، جعل 31 أكتوبر من كل سنة عيدا وطنيا تحت هذا الاسم، في أعقاب التطورات التي عرفها ملف الصحراء، وما حمله قرار مجلس الأمن رقم 2797 لسنة 2025. وبذلك اختار أصحاب المبادرة تاريخ الذكرى الأولى لهذه المناسبة لإعلان مشروعهم، في محاولة لإضفاء دلالة وطنية على الاسم والتوقيت معا.

غير أن الانتقال من استحضار الهوية اليهودية المغربية إلى اتخاذ الدين اليهودي مرجعية لحزب سياسي يضع المبادرة أمام سؤال دستوري مباشر. فالفصل السابع من دستور المملكة، وإن كان يضمن حرية تأسيس الأحزاب السياسية وممارسة أنشطتها في إطار القانون، فإنه ينص بوضوح على عدم جواز تأسيسها على أساس ديني أو لغوي أو عرقي أو جهوي، أو على أي أساس تمييزي يتعارض مع حقوق الإنسان. ويؤكد القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية، في مادته الرابعة، المقتضى نفسه، مع التنصيص على بطلان تأسيس أي حزب يرتكز على أحد هذه الأسس.

وتكتسب هذه المقتضيات أهمية خاصة عند قراءتها إلى جانب المرجعية التي أعلنها أصحاب المبادرة، ذلك أن الوثيقة لا تكتفي بالحديث عن حماية التراث اليهودي أو الدفاع عن حقوق المواطنين المغاربة من الديانة اليهودية، بل تنص على أن الحزب يتخذ الدين اليهودي مرجعية له، وهو ما يطرح مسألة مدى انسجام هذا الاختيار مع الحظر الدستوري. وتظل الكلمة القانونية النهائية للجهات المختصة، بالنظر إلى ضرورة الاطلاع على النظام الأساسي والبرنامج السياسي الكاملين، وتحديد ما إذا كانت المرجعية المعلنة تعكس بالفعل تأسيسا حزبيا على أساس ديني بالمعنى الذي يمنعه الدستور.

في المقابل، لا ينبغي الخلط بين هذا الإشكال وبين الاعتراف الدستوري بالرافد العبري للهوية المغربية. فديباجة دستور 2011 تنص على أن الهوية الوطنية الموحدة والغنية بروافدها تستمد عناصرها، إلى جانب المكونين العربي الإسلامي والأمازيغي والصحراوي الحساني، من روافد إفريقية وأندلسية وعبرية ومتوسطية. كما تنص المادة الثالثة على أن الإسلام دين الدولة، مع ضمان حرية ممارسة الشؤون الدينية لجميع المواطنين. وبذلك يجمع الدستور بين الاعتراف بالتعدد الثقافي والديني وحماية حرية المعتقد، من جهة، ووضع ضوابط خاصة بتنظيم التنافس السياسي وتأسيس الأحزاب، من جهة أخرى. فالإقرار بالمكون العبري باعتباره جزءا من التاريخ والهوية المغربية لا يعني بالضرورة إقرار تأسيس تنظيم سياسي على أساس ديني.

وتساعد العودة إلى تاريخ المغرب الحديث على فهم هذه المفارقة. فالمشاركة السياسية لليهود المغاربة ليست ظاهرة جديدة، ولم تكن مرتبطة حصرا بمؤسسات تمثيلية خاصة بهم. فقد عرف المغرب، خلال مرحلة الانتقال نحو الاستقلال، حضورا لشخصيات يهودية في الحياة العامة والسياسية. ومن أبرز الأمثلة تعيين ليون بن زاكين وزيرا للبريد والبرق في الحكومة المغربية أواخر سنة 1955، ليكون من أوائل الشخصيات اليهودية التي تولت مسؤولية وزارية في المغرب الحديث. كما شهدت الحياة الحزبية مشاركة يهود مغاربة في الحزب الشيوعي المغربي وفي الحركة الوطنية، ومن بينهم شخصيات ارتبطت بالعمل السياسي والفكري، مثل أبراهام السرفاتي وإدمون عمران المالح. ولم يكن انتماء هؤلاء إلى العمل السياسي قائما على إنشاء حزب ديني، بل على اختيارات أيديولوجية وسياسية مشتركة مع مغاربة من خلفيات دينية مختلفة.

وتقدم انتخابات سنة 1963 مثالا آخر على هذا الحضور؛ إذ انتخب ماير أوباديا عضوا بمجلس النواب ضمن قائمة جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية، كما انتخب دافيد عمار عضوا بمجلس المستشارين في السنة نفسها، بينما خاض ماير توليدانو الانتخابات مرشحا عن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. وتكشف هذه الوقائع التاريخية أن مشاركة اليهود المغاربة في المؤسسات السياسية لم تكن رهينة إنشاء تنظيم حزبي خاص بهم، بل تحققت من خلال الانخراط في أحزاب وتيارات سياسية قائمة، رغم ما عرفته تلك المرحلة من توترات وخطابات إقصائية.

وعلى المستوى المجتمعي، شهدت الفترة نفسها مبادرات للتقارب بين المسلمين واليهود، من أبرزها جمعية «الوفاق» التي تأسست في فبراير 1956، وكانت تهدف إلى تعزيز التعايش بين المكونين على أساس المواطنة والمشاركة في الشأن العام. كما ظهرت مبادرات مدنية متعددة الأديان، من بينها «Les Amitiés Marocaines»، التي جمعت مسلمين ويهودا ومسيحيين خلال الفترة الممتدة بين 1950 و1956. وهي تجارب ذات دلالة تاريخية، لأنها تعكس أن سؤال التعدد الديني والمشاركة في بناء الدولة المغربية طُرح مبكرا، وأن من بين الأجوبة التي جرى اختبارها آنذاك تعزيز العمل المشترك بدل بناء تنظيمات سياسية منفصلة على أساس الانتماء الديني.

ومن زاوية أخرى، يطرح اختيار التسمية العبرية للمبادرة سؤالا إضافيا. فعبارة «מפלגת הליכוד» هي التسمية العبرية لحزب الليكود الإسرائيلي، وهو تنظيم سياسي تأسس سنة 1973 في شكل تحالف انتخابي، قبل أن يندمج في حزب موحد سنة 1988، وأصبح أحد أبرز الفاعلين في الحياة السياسية الإسرائيلية. ولا تتوفر، ضمن المعطيات المنشورة حتى الآن، أدلة تثبت وجود ارتباط تنظيمي أو سياسي بين الحزب الإسرائيلي والمبادرة المعلن عنها في المغرب. غير أن اعتماد التسمية نفسها، إلى جانب الرمز البصري الوارد في الوثيقة، يجعل من الضروري توضيح خلفية هذا الاختيار، وما إذا كان مجرد استعمال لغوي ورمزي، أم أنه يعكس تصورا سياسيا يرغب أصحاب المبادرة في إبرازه. ولا يجوز تحويل التشابه في الاسم والشعار إلى دليل على وجود علاقة لم تثبتها وثيقة أو تصريح موثوق.

ويطرح الاسم العربي بدوره مسألة التميّز القانوني، إذ تتضمن اللائحة المنشورة على البوابة الوطنية للمملكة حزبا قائما باسم «حزب الوحدة والديمقراطية»، يعود تاريخ تأسيسه إلى سنة 2008. ولا يعني التشابه الجزئي بين التسميتين بالضرورة وجود مخالفة، لكنه يضع مدى تميّز الاسم والرمز المقترحين أمام مقتضيات المادة السادسة من القانون التنظيمي للأحزاب السياسية.

أما من الناحية الإجرائية، فمجرد توجيه تصريح إلى وزارة الداخلية أو الحصول على إشعار بتسلم مراسلة لا يعني أن الحزب أصبح مؤسسا قانونيا. فقد عدّل القانون التنظيمي رقم 54.25، المنشور بالجريدة الرسمية في 29 يناير 2026، عددا من مقتضيات قانون الأحزاب، وأبقى على مسطرة تأسيس تتطلب تصريحا موقعا من اثني عشر عضوا مؤسسا على الأقل، من بينهم أربع نساء، مع تمثيل الجهات الاثنتي عشرة للمملكة، إلى جانب التزامات مكتوبة من ألفي عضو مؤسس على الأقل. كما وضع شروطا تتعلق بالتوزيع الجغرافي للأعضاء ونسب تمثيل النساء والشباب، وحضور المؤتمر التأسيسي، ثم إيداع ملف التأسيس بعد انعقاده وفق الشروط والآجال القانونية. ووفق الصورة التي نشرتها صحيفة «العمق»، فإن الوصل المصاحب للوثيقة يحمل عبارة «إشعار بتسلم بريد وارد»، وهو ما لا يكفي وحده لإثبات إيداع ملف مستوف لجميع الشروط القانونية أو الحصول على الاعتراف القانوني النهائي.

وتبقى المبادرة، في ضوء هذه المعطيات، واقعة سياسية وإعلامية تستحق المتابعة، ليس فقط بسبب مرجعيتها الدينية المعلنة أو تسميتها العبرية، بل أيضا بسبب الأسئلة التي تثيرها حول موقع الجالية المغربية اليهودية وأبنائها في الفعل السياسي الوطني، وحدود استحضار الهوية والتاريخ في بناء المشاريع الحزبية. فالمغرب عرف تاريخيا مشاركة يهود مغاربة في الحكومة والبرلمان والأحزاب والحركات السياسية، كما جعل من الرافد العبري جزءا من هويته الدستورية، لكن ذلك جرى في إطار مواطنة مشتركة ومؤسسات وطنية جامعة.

وبين التأكيد على حق اليهود المغاربة في المشاركة السياسية، باعتباره حقا لا ينبغي أن يكون موضع تمييز بسبب المعتقد، يُطرح سؤال يتعلق بطبيعة الإطار القانوني والسياسي الذي يراد لهذه المشاركة أن تتم من خلاله: “هل نحن أمام مشروع حزبي وطني يسعى إلى توسيع مشاركة فئة من المغاربة في الحياة العامة، أم أمام تنظيم يجعل الانتماء الديني أساسا لتكوينه السياسي؟” وبين الاحتمالين تظل الوثائق التأسيسية الكاملة، وموقف وزارة الداخلية، وما قد يصدر عن الجهات القضائية المختصة، عناصر ضرورية للانتقال من قراءة الوثيقة المتداولة إلى حكم موضوعي على المبادرة ومآلها.

شارك المقال

تمثّلون مؤسسة ورد ذكرها في هذه المادة؟ أرسلوا حق الرد

أمين طاهر

رئيس التحرير

أمين طاهر، صحافي مغربي، مدير نشر ورئيس تحرير جريدة «البوصلة». حاصل على ماستر في التواصل والإعلام، وله تجربة في الصحافة والإنتاج الإعلامي والتكوين، ويشرف على الخط التحريري للموقع وتطوير محتواه الصحفي.

"الكلمة مسؤولية.. والحقيقة وجهة"

كل مقالات أمين طاهر ←
فيسبوك
💬 شارك عبر واتساب