آسفي بعد الفاجعة.. لماذا ينتظر برنامج الحماية إلى 2027؟
حين تتحول الأمطار إلى تهديد للأرواح، لا يعود السؤال مرتبطاً بوجود البرامج والدراسات، بل بمدى جاهزية المدينة قبل أن تتكرر الكارثة.
بعد الفيضانات الاستثنائية التي ضربت مدينة آسفي يوم 14 دجنبر 2025، وخلفت 37 وفاة وخسائر مادية جسيمة، عاد ملف الحماية من الفيضانات إلى واجهة النقاش البرلماني، حاملاً معه سؤالاً لا يحتمل التأجيل: لماذا لن ينطلق تنفيذ البرنامج الخاص بحماية المدينة إلا سنة 2027، وفق ما أعلنه وزير التجهيز والماء والغابات، نزار بركة؟
فخلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، يوم الاثنين 2 نونبر 2026، كشف الوزير عن إعداد برنامج خاص بمدينة آسفي، بعد إجراء دراسة معمقة بتنسيق مع مختلف الأطراف المعنية، بهدف معالجة الاختلالات التي كشفت عنها الفيضانات الأخيرة وتفادي تكرار الأضرار. غير أن المعطى الأبرز في هذا الإعلان هو تحديد سنة 2027 موعداً لانطلاق تنزيل البرنامج، وهو ما يفتح باب التساؤل حول التدابير التي ستضمن حماية السكان إلى حين ذلك.
بين الاستعجال والبرمجة
لا يمكن إنكار أهمية إعداد برنامج مبني على دراسة تقنية وتنسيق مؤسساتي، خصوصاً أن مواجهة الفيضانات ليست مجرد تدخلات ظرفية، بل تتطلب تشخيصاً دقيقاً للمناطق المهددة، وتأهيلاً للبنيات التحتية، وتحسيناً لشبكات تصريف المياه، وتطويراً لأنظمة الرصد والإنذار المبكر.
وقد تحدث الوزير عن تدابير استعجالية لفك العزلة عن المناطق المتضررة وإصلاح الطرق والمنشآت المتضررة، كما أشار إلى استراتيجية وطنية ترتكز على تحسين معرفة المجالات المعرضة للفيضانات، وتعزيز المنشآت المائية، وتطوير أنظمة اليقظة والإنذار المبكر.
لكن هذه التدابير، على أهميتها، لا تجيب وحدها عن السؤال الخاص بآسفي: ما الذي سينفذ على الأرض قبل دخول البرنامج الخاص حيز التنفيذ؟ وهل توجد إجراءات وقائية فورية ومحددة لحماية الأحياء والنقط الأكثر عرضة لتجمع المياه والسيول؟
ذاكرة الفاجعة لا تنتظر سنة أخرى
إن استحضار فاجعة 14 دجنبر ليس استثماراً في الألم، بل تذكير بأن حماية الأرواح مسؤولية استباقية، وأن كلفة الوقاية تظل أقل من كلفة الكوارث البشرية والاجتماعية والاقتصادية.
ومن هنا، فإن الساكنة لا تحتاج فقط إلى إعلان برنامج جديد، بل إلى معرفة تفاصيله: ما طبيعة الأشغال المقررة؟ ما الاعتمادات المالية المرصودة؟ ما الجدولة الزمنية؟ وما التدخلات التي ستسبق سنة 2027؟ ثم من سيتولى تتبع التنفيذ وتقديم حصيلة واضحة للرأي العام؟
كما أن مسؤولية الوقاية لا تنحصر في وزارة واحدة؛ فهي تستدعي تنسيقاً فعلياً بين السلطات الترابية والجماعة والقطاعات التقنية والمؤسسات المعنية بتدبير المياه والتطهير والطرق والإنقاذ.
من إعلان النوايا إلى ضمانات التنفيذ
إن آسفي اليوم أمام امتحان الثقة في قدرة المؤسسات على تحويل دروس الفاجعة إلى إجراءات ملموسة. وليس المطلوب التشكيك في البرامج المعلنة، بل المطالبة بوضوح أكبر بشأن ما تحقق وما لم يتحقق، وبجدول زمني يضمن ألا تتحول سنة 2027 إلى موعد مؤجل آخر.
فالوقاية من الفيضانات لا تبدأ عند افتتاح ورش كبير، ولا تنتهي عند المصادقة على دراسة تقنية؛ إنها تبدأ من صيانة قنوات التصريف، وتأمين النقط السوداء، ومراقبة مجاري المياه، وإخبار السكان بالمخاطر، وضمان سرعة التدخل عند الضرورة.
السؤال الذي ينبغي أن يظل مفتوحاً أمام المسؤولين: إذا كانت سنة 2027 موعد انطلاق البرنامج الخاص، فما الذي سيحمي آسفي قبل ذلك؟
ذلك هو جوهر المساءلة اليوم: ألا تتحول ذاكرة 37 ضحية إلى مجرد خلفية لإعلان برنامج جديد، بل إلى التزام مؤسساتي واضح يجعل حماية الأرواح أولوية لا تقبل التأجيل.
مقالات الرأي تعبّر عن آراء كتّابها، ولا تعبّر بالضرورة عن موقف البوصلة. حق الرد ←


