حماية الطفولة بالمغرب .. قانون لاحداث وكالة جديدة و أسئلة حول فعالية التنفيذ
إحداث الوكالة الوطنية لحماية الطفولة يفتح النقاش حول واقع التكفل بالأطفال في وضعية هشاشة، ومدى قدرة المؤسسات المعنية على تجاوز صعوبات التنسيق وتوفير الحماية الفعلية.
يعيد القانون رقم 29.24 المتعلق بإحداث الوكالة الوطنية لحماية الطفولة، المنشور بالجريدة الرسمية عدد 7489 بتاريخ 9 مارس 2026، النقاش حول واقع حماية الأطفال بالمغرب، ومدى قدرة المؤسسات المعنية على ضمان التكفل بالأطفال في وضعية هشاشة. فبالرغم من الإطار القانوني الذي وضعه المشرع، لا تزال أسئلة مطروحة بشأن التنسيق بين المتدخلين، وتوفير الإمكانات اللازمة، وضمان انتقال المقتضيات القانونية من النص إلى الممارسة.
وينص القانون على إحداث وكالة وطنية تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال الإداري والمالي، تتولى تنفيذ سياسة الدولة في مجال حماية الطفولة، والإشراف على مراكز الحماية التابعة لها، وتتبع ظروف التكفل بالأطفال الموجودين بها. كما تشمل اختصاصاتها إعداد برامج للرعاية والتأهيل، والعمل على إعادة إدماج الأطفال في محيطهم الأسري والاجتماعي، مع مواكبة أوضاعهم بعد مغادرة مراكز الحماية.
كما حدد المشرع مجموعة من الحقوق التي يتعين ضمانها للأطفال داخل هذه المؤسسات، من بينها الرعاية الصحية والنفسية والتربوية والاجتماعية والقانونية، والاستفادة من برامج التعليم والتكوين المهني والأنشطة الثقافية والرياضية. ونص القانون أيضاً على ضرورة احترام كرامة الطفل وخصوصيته، والحفاظ على سلامته الجسدية والنفسية، مع جعل مصلحته الفضلى أساساً لكل تدبير يتخذ لفائدته.
غير أن صدور القانون لا يعني بالضرورة أن الوكالة أصبحت تمارس اختصاصاتها بشكل فعلي، إذ تنص المادة 220 على أن دخوله حيز التنفيذ يرتبط بنشر النصوص التنظيمية اللازمة لتطبيقه وتنصيب أجهزة إدارة وتسيير الوكالة الوطنية. وهو ما يجعل استكمال هذه الإجراءات خطوة ضرورية قبل تقييم النتائج التي يمكن أن يحققها هذا الإصلاح.
وفي ما يتعلق بواقع الحماية على المستوى الترابي، أورد التقرير السنوي لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف” بالمغرب لسنة 2024 أن 82 قراراً عاملياً صدر لإحداث لجان حماية الطفولة، غير أن 23 لجنة فقط كانت تشتغل بشكل كامل. وأشار التقرير إلى أن هذه اللجان تشكل آلية للتنسيق بين مختلف المتدخلين، كما قدمت المنظمة دعماً تقنياً لتفعيل عدد منها بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة وجهات أخرى.
ومن جانبه، سجل المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، في رأيه بشأن مشروع القانون رقم 29.24، مجموعة من الملاحظات المرتبطة بنطاق تدخل الوكالة واختصاصاتها. واعتبر المجلس أن المهام المحددة لها تركز أساساً على تدبير مراكز حماية الطفولة ومؤسسات الرعاية الاجتماعية، دون أن تشمل بشكل مباشر مجالات أخرى، مثل الوقاية من المخاطر وتعزيز دور الأسرة والبحث عن بدائل للإيداع بالمؤسسات.
كما نبه إلى كثرة الإحالات على النصوص التنظيمية، التي بلغت حوالي 20 إحالة، دون تحديد آجال واضحة لإصدارها، محذراً من تأثير ذلك على سرعة تنزيل مقتضيات القانون.
وفي المقابل، أوضحت الحكومة، خلال المصادقة على مشروع القانون، أن إحداث الوكالة يأتي لمعالجة الإشكالات المرتبطة بتعدد المتدخلين وضعف التنسيق المؤسساتي، إلى جانب الصعوبات العملية التي تواجه مراكز حماية الطفولة، بهدف تحسين شروط التكفل بالأطفال وتعزيز نجاعة التدخلات الموجهة إليهم.
وتبقى مسألة إعادة إدماج الأطفال من بين الجوانب التي تحتاج إلى اهتمام خاص، إذ إن مغادرة مراكز الحماية لا تعني بالضرورة انتهاء الصعوبات التي واجهها الطفل، خاصة في الحالات المرتبطة بالتفكك الأسري أو الهشاشة الاجتماعية أو الانقطاع عن الدراسة. ولهذا، نص القانون على برامج للرعاية اللاحقة تشمل المواكبة الاجتماعية والنفسية والتربوية والصحية، ويمكن أن تمتد الاستفادة منها إلى غاية سن العشرين سنة، بحسب الحالات.
وبين المقتضيات التي جاء بها القانون والملاحظات التي سجلتها المؤسسات المعنية، يظل نجاح الوكالة الوطنية لحماية الطفولة مرتبطاً بمدى استكمال شروط اشتغالها، وتوفير الموارد البشرية والمالية، وتحسين التنسيق بين مختلف المتدخلين. فالأطفال الموجودون في وضعية هشاشة يحتاجون إلى تدخل فعلي ومستمر، يضمن لهم الحماية والرعاية والتعليم، ويساعدهم على تجاوز الظروف التي دفعت بهم إلى طلب الحماية، بعيداً عن الاكتفاء بإحداث مؤسسات جديدة أو إصدار نصوص قانونية.


