توقف بوابة الصفقات العمومية: مقاولات معلّقة خارج المنافسة
أكثر من خمسة عشر يوماً من تعذّر الولوج دون بلاغ رسمي… مكاتب التكوين والمقاولات الصغرى والمتوسطة تدقّ ناقوس الخطر
إنزكان – مراسل خاص
في الوقت الذي يُراهن فيه المغرب على الرقمنة رافعةً للشفافية وتكافؤ الفرص، تجد عشرات المقاولات ومكاتب التكوين والدراسات نفسها مقصيّة من المنافسة على الصفقات العمومية. السبب ليس ضعف عروضها ولا نقصاً في ملفاتها، بل عطل تقني يحول دون ولوجها إلى البوابة المغربية للصفقات العمومية منذ أزيد من خمسة عشر يوماً.
والأخطر من العطل ذاته هو الصمت: لا بلاغ توضيحي، ولا آجال معلنة للإصلاح، ولا قرار بتمديد مواعيد إيداع الأظرفة. وهو ما يطرح سؤالاً مشروعاً: من يتحمل كلفة هذا التوقف؟
بوابة إلزامية… تغلق أبوابها
منذ تعميم نزع الطابع المادي عن مساطر الصفقات العمومية، أصبحت البوابة التي تشرف عليها الخزينة العامة للمملكة الممرّ شبه الوحيد للاطلاع على ملفات طلبات العروض وتحميل دفاتر الشروط الخاصة وإيداع العروض إلكترونياً وإنجاز الضمانات المؤقتة الرقمية. وبالتالي، فإن أي توقف في البوابة لا يعني مجرد إزعاج تقني، بل يعني عملياً إغلاق باب الطلبية العمومية في وجه من لا يستطيع الولوج.
يقول مسيّر مؤسسة للتكوين المهني بإنزكان، تشارك بانتظام في صفقات التكوين عبر مختلف جهات المملكة: «منذ أسبوعين نحاول الولوج يومياً دون جدوى. درسنا الملفات، وأعددنا العروض التقنية والمالية، وعبّأنا المكونين، ثم نجد أنفسنا أمام شاشة لا تفتح. لا أحد يشرح لنا ما يحدث، والآجال تمضي بالنسبة للجميع باستثنائنا».
خسائر ملموسة ومتراكمة
تتعدد أشكال الضرر الذي يلحق بالمقاولات جراء هذا الوضع، وأبرزها:
• ضياع فرص المشاركة: صفقات تُفتح أظرفتها في مواعيدها دون أن تتمكن مقاولات مؤهلة من إيداع عروضها.
• هدر المجهود والكلفة: ساعات من دراسة دفاتر الشروط وإعداد المذكرات التقنية وجمع الوثائق الإدارية، إضافة إلى مصاريف الضمانات المؤقتة لدى البنوك.
• اضطراب التزامات مع الشركاء: الخبراء والمكونون الذين تمت تعبئتهم والتنسيق معهم مسبقاً يجدون أنفسهم في وضعية انتظار مفتوح.
• تهديد التوازن المالي: بالنسبة لمكاتب التكوين والمقاولات الصغرى التي يعتمد جزء مهم من رقم معاملاتها على الطلبية العمومية، يعني أسبوعان من الشلل أشهراً من الفراغ في دفتر الطلبيات.
• المساس بمبدأ تكافؤ الفرص: حين يتمكن بعض المتنافسين من الولوج ويُحرم آخرون، يصبح العطل التقني عاملاً مؤثراً في نتائج المنافسة.
ولا تقتصر الكلفة على المقاولات، إذ قد تجد الإدارات صاحبة المشاريع نفسها أمام صفقات بعدد محدود من العروض أو بدونها، ما يضطرها إلى إعلانها غير مثمرة وإعادة المسطرة من جديد، بما يعنيه ذلك من تأخير في تنفيذ برامج التكوين والتنمية.
مشكل ليس جديداً
ليست هذه المرة الأولى التي تثار فيها أعطاب البوابة. فقد سبق للصحافة الوطنية أن نقلت في مناسبات عديدة شكاوى مقاولين حُرموا من المشاركة بسبب توقفات مفاجئة، بلغت حدّ التلويح باللجوء إلى المحاكم الإدارية للمطالبة بالتعويض. وفي جواب برلماني سابق، أرجعت وزارة الاقتصاد والمالية بعض صعوبات الولوج إلى ضعف صبيب الإنترنت لدى المستعملين، وإلى التوقفات المؤقتة التي تفرضها عمليات التحيين والأمن المعلوماتي. كما أفادت تقارير صحفية بأن المفتشية العامة للمالية باشرت سنة 2024 تحريات بشأن شكايات مقاولات تضررت من أعطاب حالت دون إيداع ملفاتها.
غير أن ما يميّز الوضع الحالي هو طول مدة التوقف: فالحديث لم يعد عن ساعات أو يومين، بل عن أسابيع متواصلة. وهنا تسقط فرضية «ضعف الصبيب»، لتحل محلها أسئلة حول جاهزية المنظومة واستمرارية المرفق العمومي الرقمي.
ماذا تطلب المقاولات؟
يتقاطع المهنيون المتضررون حول مطالب واضحة وقابلة للتنفيذ فوراً:
1. بلاغ رسمي من الجهة المشرفة يوضح طبيعة العطل والآجال المتوقعة لإصلاحه.
2. تمديد مواعيد فتح الأظرفة بالنسبة لكل الصفقات التي تزامنت آجالها مع فترة التوقف، أو إعادة إطلاقها.
3. إتاحة حل بديل مؤقت للإيداع، كالإيداع الورقي أو بمكاتب ضبط المصالح المتعاقدة، إلى حين عودة البوابة للاشتغال.
4. إحداث قناة دعم فعّالة تستقبل الشكايات وتمنح إشهادات بتعذر الولوج يمكن الاحتجاج بها أمام المصالح المتعاقدة.
5. إرساء آلية للتعويض عن المصاريف التي تتكبدها المقاولات، ولا سيما كلفة الضمانات المؤقتة.
6. اعتماد خطة استمرارية تضمن عدم تكرار هذا النوع من التوقفات المطولة.
الرقمنة مسؤولية مشتركة
لا أحد ينازع في أهمية رقمنة الصفقات العمومية باعتبارها رافعة للشفافية والحكامة. غير أن الرقمنة التي تُفرض بشكل إلزامي تفرض بالمقابل التزاماً باستمرارية الخدمة وبالتواصل الشفاف مع المرتفقين عند كل عطل.
وفي انتظار توضيح رسمي، تبقى مئات المقاولات – ومن ورائها مناصب شغل ومكونون وخبراء – معلّقة في الفراغ، تراقب آجال الصفقات تنقضي واحدة تلو الأخرى، دون أن تملك سبيلاً للدفاع عن حقها في المنافسة.


