مهنة العدول بالمغرب.. قانون جديد يدخل حيز التنفيذ ويضع التوثيق أمام اختبار الرقمنة والمسؤولية
من توثيق العقود والشهادات إلى الحفظ الإلكتروني والتأمين المهني، تستعد مهنة العدول بالمغرب، ابتداءً من يوم الاثنين 09 نونبر 2026، لدخول مرحلة تشريعية جديدة؛ مرحلة لا يُقاس نجاحها فقط بما تحمله النصوص من مقتضيات، بل بمدى انعكاسها على جودة الخدمة وحماية حقوق المواطنين.
يدخل القانون رقم 051.26 المتعلق بتنظيم مهنة العدول حيز التنفيذ الاثنين 09 نونبر 2026، بعد نشره بالجريدة الرسمية عدد 7533 بتاريخ 10 غشت 2026، وفق ما أوردته مصادر مطلعة. ويأتي هذا التحول في سياق إعادة ترتيب الإطار القانوني للمهنة، عقب قرار المحكمة الدستورية الصادر في 15 يونيو 2026 بشأن القانون السابق رقم 16.22، والذي قضى بعدم مطابقة عدد من مقتضياته للدستور.
ومن أبرز المستجدات التي يحملها القانون الجديد توسيع إمكانات استعمال الوسائل الإلكترونية في مسطرة الخطاب على العقود والشهادات، إذ تتيح المادتان 77 و78 إحالة الوثائق على القاضي المكلف بالتوثيق في صيغة ورقية أو عبر دعامة إلكترونية، مع تحديد أجل لا يتجاوز ثلاثة أيام لإنجاز عملية الخطاب بعد التحقق من استيفاء الشروط القانونية.
كما يتجه النص نحو تحديث تدبير الوثائق العدلية، من خلال إقرار الحفظ والإيداع الإلكتروني للوثائق المنجزة، بما في ذلك إيداعها اليومي عبر منصة رقمية تعتزم وزارة العدل إحداثها، وفق كيفيات ستحددها نصوص تنظيمية. وهو ما يجعل نجاح هذا الورش مرتبطاً أيضاً بتوفير البنية التقنية والتكوين اللازمين، وضمان أمن المعطيات وسلامة الأرشيف.
وعلى مستوى حماية المتعاملين مع العدول، يبرز التنصيص على المسؤولية المدنية عن الأضرار الناتجة عن الأخطاء المهنية، بما فيها الأخطاء الصادرة عن الأجراء والمتمرنين العاملين تحت إشراف العدل، مع إلزام المهنيين بالتأمين عن هذه المسؤولية. ويُنتظر أن تشكل هذه المقتضيات دعامة لتعزيز الثقة في التوثيق العدلي، على أن تحدد نصوص تنظيمية الحد الأدنى للتغطية التأمينية.
أما شهادة اللفيف، فقد حظيت بمقتضيات تنظيمية أكثر تفصيلاً، من بينها اشتراط حضور عدلين واثني عشر شاهداً على الأقل، والاستماع إلى كل شاهد بشكل منفرد، مع التحقق من مصدر علمه بالوقائع موضوع الشهادة. وهي إجراءات تطرح أهمية التوفيق بين حماية حجية هذه الوسيلة في الإثبات، والحرص على دقة الشهادة وصيانة حقوق الأطراف.
ويمتد التغيير كذلك إلى الوضع المهني للنساخ القضائيين، إذ تتيح المادة 200 إمكانية إدماج المزاولين منهم ضمن مهنة العدول، وفق الشروط والآجال الانتقالية التي حددها القانون، في سياق إعادة ترتيب الإطار التشريعي المنظم للمهنة.
مراكش تواكب التحول التشريعي
وفي سياق الاستعداد لهذا الانتقال، احتضنت مراكش يوم السبت 7 نونبر 2026 يوماً دراسياً نظمه المجلس الجهوي لعدول استئنافية مراكش بتنسيق مع الهيئة الوطنية للعدول، تحت عنوان: ” مدارك استيعاب مستجدات القانون رقم 051.26 المنظم لمهنة العدول ورهانات التنزيل السليم لمقتضياته”.
وعرف اللقاء مشاركة الدكتور سليمان أدخول، رئيس الهيئة الوطنية للعدول، والأستاذ عبد الرزاق أمهصيص، رئيس المجلس الجهوي لعدول استئنافية مراكش، إلى جانب الدكتور عبد اللطيف جيد، رئيس اللجنة العلمية للهيئة الوطنية للعدول، الذي تناول موضوع توثيق الشهادات اللفيفية، مع التركيز على شهادة الإراثة كنموذج تطبيقي.
ويكتسب هذا اللقاء أهميته من توقيته ومن طبيعة النقاش الذي فتحه حول الانتقال من قراءة المقتضيات القانونية إلى فهم إشكالات تطبيقها في الممارسة اليومية، بما يستدعي التكوين المستمر وتوحيد التأويلات المهنية وتنسيق العمل بين الهياكل الوطنية والجهوية.
المواطن في قلب الإصلاح
وبعيداً عن التفاصيل التقنية والقانونية، يظل السؤال الأساسي هو: ماذا سيكسب المواطن من هذا التحول؟ وهل ستؤدي الرقمنة إلى تسريع الإجراءات وتيسير الولوج إلى الوثائق، وهل سيعزز التأمين والمسؤولية المهنية ضمانات المتعاقدين، وهل ستُترجم المقتضيات الجديدة إلى خدمات أكثر وضوحاً ونجاعة؟
إن تحديث مهنة العدول لا ينبغي أن يُختزل في الانتقال من الورق إلى الشاشة، أو في تغيير قواعد الممارسة المهنية وحدها؛ بل يتعين أن يكون مدخلاً لتعزيز الأمن التوثيقي، وصيانة الحقوق، وتيسير المعاملات، وترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسسات التوثيق.
فالقانون الجديد يفتح الباب أمام مرحلة مختلفة، لكن نجاحها سيظل رهيناً بحسن التنزيل، وصدور النصوص التنظيمية اللازمة، وتوفير الوسائل التقنية والبشرية، وإعلام المواطنين بما لهم وما عليهم.
ذلك هو الاختبار الحقيقي: أن يشعر المواطن بأثر الإصلاح حين يلج مكتب العدل، لا أن يقرأ فقط عن مستجداته في الجريدة الرسمية.


