في كل بيت مغربي تقريباً حساب لا يظهر في أي ميزانية رسمية: قسط المدرسة، ثم الدروس الإضافية، ثم مركز اللغات، ثم النقل. تبلغ الأسرة آخر الشهر وقد دفعت لأربع جهات كي تُنجز عملاً يُفترض أن جهة واحدة تتولاه.
هنا السؤال الذي يستحق أن يُطرح قبل المقارنة بين العمومي والخصوصي: إذا كان الطفل في مدرسة خصوصية ويحتاج إلى دعم خارجها، فما الذي اشتريناه بالقسط؟
ما يقدمه الخصوصي فعلاً
الإنصاف يقتضي أن نبدأ بما لا يمكن إنكاره. كثير من الأسر لا تهرب من العمومي ترفاً. تهرب من أقسام مكتظة، ومن توقف الدراسة بسبب الاحتجاجات، ومن غياب الأستاذ، ومن خوف حقيقي على مستقبل الابن. والمدرسة الخصوصية الجيدة تقدم انضباطاً وتتبعاً ولغات وبيئة أكثر هدوءاً. هذه مزايا حقيقية، ولا معنى لتجاهلها.
لكن الإشكال أن “خصوصي” لا تعني “جيد” تلقائياً. القطاع متفاوت جداً: بين مؤسسات جادة وأخرى تبيع الانطباع أكثر مما تبيع التعلم. والأسرة في الغالب لا تملك مؤشراً تقيس به الفرق، فتقيس بالقسط، ثم بالشعار، ثم بما يقوله الجيران.
المفارقة
أخطر ما في الأمر أن كثيراً من الأسر تشتري المدرسة الخصوصية لتتخلص من عبء المتابعة، ثم تكتشف أنها اشترت عبئاً جديداً بثمن أعلى. فإذا كان الأب أو الأم سيضيفان الدعم الخارجي في الحالتين، فالفارق بين المدرستين يتقلص، أما الفارق في الفاتورة فيبقى كما هو.
وهذا ما يجعلني أميل إلى أن العامل الأكثر حسماً في نجاح الطفل ليس نوع المدرسة بل حضور الأسرة: من يراجع الدفتر، ومن يسأل عن الأستاذ، ومن يجلس مع الطفل ساعة في المساء. الطفل المتابَع في مدرسة عمومية قد يتفوق على طفل متروك في مدرسة خصوصية باهظة. والعكس صحيح أيضاً، ولا أدّعي غيره.
ما لا يُباع في أي قسط
هناك جانب يُغفل في هذا النقاش لأنه لا يظهر في نتائج الامتحانات: من يجلس بجانب ابني؟
المدرسة العمومية، رغم كل عيوبها، ما زالت من القليل من الفضاءات التي يلتقي فيها أبناء الموظف والعامل والتاجر والفلاح. هناك يتعلم الطفل أن الناس لا يشبهون بعضهم، وأن الحياة ليست نسخة من حيّه. هذا احتكاك يصنع ذكاءً اجتماعياً لا يمنحه أي منهج: كيف تتفاوض، كيف تتعايش، كيف تفهم من لا يشبهك.
المدرسة الخصوصية، بحكم كلفتها، تجمع الأسر ذات القدرة المتقاربة، فينشأ الطفل في دائرة متجانسة. ليس هذا عيباً في المؤسسة، بل نتيجة بنيوية للنموذج. لكن النتيجة واضحة: طفل قد يتفوق دراسياً، ويصل إلى الجامعة أو سوق الشغل دون أن يكون قد جلس يوماً بجوار من تختلف ظروفه عن ظروفه.
الشرط الذي لا يُقال بصراحة
لن أقول إن العمومي أفضل دون شرط. هو أفضل بشرط، وهذا الشرط يقع على عاتق الأسرة قبل الدولة:
- متابعة يومية للدفاتر والنتائج.
- تواصل منتظم مع الأساتذة، لا عند الأزمات فقط.
- تعويض النقص بجهد الأسرة لا بالهروب منه.
- عدم انتظار المدرسة كي تُنجز كل شيء.
وللدولة نصيبها الذي لا يُعفيها: الاكتظاظ، واستقرار الموسم الدراسي، وجودة التكوين، وثقة الأسر. وما دامت هذه الثقة مهتزة، فمن الظلم أن نلوم كل أسرة اختارت الخصوصي. الأولى أن نسأل: لماذا وصلت الثقة إلى هذا الحد؟
كلمة أخيرة
ربما لا يكون السؤال: أين يتعلم أبناؤنا أفضل؟ بل: من يتحمل مسؤولية تعليمهم حين نمنح المدرسة المفاتيح ثم نبتعد؟

رجلٌ جعل من الإيجابية فلسفة، ومن الفعل طريقا، ومن الإنسان غاية
