كوب 31.. حين تصبح أزمة المناخ اختبارا للأمن المائي والغذائي وحقوق الإنسان
تتجه أنظار المجتمع الدولي، ابتداء من يوم الاثنين 9 نونبر الجاري، إلى مدينة أنطاليا التركية، التي تحتضن الدورة الحادية والثلاثين لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (COP31)، وسط تصاعد المخاوف من تداعيات الاحترار العالمي على الموارد الطبيعية والأنظمة الغذائية وحقوق الفئات الأكثر هشاشة. وبينما تتجه المفاوضات نحو تسريع تنفيذ الالتزامات المناخية، يبرز سؤال جوهري لبلدان كالمغرب: كيف يمكن تحويل التعهدات الدولية إلى سياسات ملموسة تحمي الموارد المائية وتضمن استدامة الإنتاج الغذائي؟
ويحمل اختصار COP عبارة «مؤتمر الأطراف» (Conference of the Parties)، وهو المنتدى السنوي الرئيسي الذي تجتمع فيه الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، المعتمدة سنة 1992، للتفاوض بشأن مواجهة التغير المناخي. وتعد هذه الدورة الحادية والثلاثين منذ انطلاق المؤتمرات سنة 1995، كما تشكل امتدادا للمسار الذي أفضى إلى اعتماد اتفاق باريس للمناخ سنة 2015، الهادف إلى الحد من ارتفاع متوسط درجة حرارة الأرض، وتعزيز قدرة الدول على التكيف مع آثاره، وتعبئة التمويلات اللازمة لمواجهة تداعياته.
وتنعقد دورة هذه السنة في الفترة الممتدة من 9 إلى 20 نونبر، في ظل ترتيب تنظيمي ودبلوماسي لافت؛ إذ تستضيف تركيا المؤتمر وتتولى رئاسته عبر وزير البيئة والتوسع العمراني وتغير المناخ مراد كوروم، فيما تتولى أستراليا رئاسة المفاوضات الرسمية من خلال وزير المناخ والطاقة كريس بوين. ويعكس هذا التوزيع تقاسما للمسؤوليات بين البلدين، في وقت يرتقب أن يشارك في المؤتمر ممثلو الحكومات والمنظمات الدولية والمجتمع المدني والخبراء والفاعلون الاقتصاديون.
ومن أبرز مميزات هذه الدورة أيضا إعطاء منطقة المحيط الهادئ حضورا خاصا في الإعداد للمؤتمر، من خلال الاجتماعات التحضيرية التي احتضنتها فيجي وتوفالو بين 5 و8 أكتوبر الماضي، بمشاركة قادة وممثلي المجتمعات المحلية ومنظمات المجتمع المدني. ويأتي ذلك في سياق تصاعد المخاطر التي تواجه الدول الجزرية، خصوصا ارتفاع مستوى البحار وتداخل المياه المالحة مع الموارد العذبة، وما يترتب على ذلك من تهديد للأراضي الزراعية ومصادر المياه والسكن وسبل العيش. كما تقرر عقد قمة القادة في أنطاليا يومي 11 و12 نونبر، فيما يتضمن البرنامج أياما موضوعاتية تبدأ بالغذاء والزراعة والصحة، قبل الانتقال إلى الطاقة والنقل والتمويل والتجارة والمرونة الحضرية وغيرها من الملفات.
ولا تقتصر أهمية COP31 على استمرار المفاوضات بشأن خفض الانبعاثات، بل تتجه رئاسته إلى إبراز ما يعرف بأجندة العمل المناخي، التي تستهدف نقل الالتزامات من مستوى الإعلان السياسي إلى التنفيذ وقياس النتائج. ويحضر ضمن أولوياتها محور الأمن الغذائي، الذي يربط بين الماء والمناخ والإنتاج الزراعي، إلى جانب الزراعة القادرة على التكيف مع التقلبات المناخية، وتمويل المزارعات، وتشجيع مشاركة الشباب في الحلول المناخية. ويعكس هذا التوجه إدراكا متزايدا بأن الأزمة المناخية لا تنفصل عن الأزمات المرتبطة بالغذاء والصحة والتنمية والعدالة الاجتماعية.
وفي هذا السياق، قدمت منظمة العفو الدولية مقاربة حقوقية لمخرجات المؤتمر المرتقب، من خلال بيانها المنشور يوم 5 أكتوبر بشأن الاجتماعات التحضيرية في منطقة المحيط الهادئ، ثم مادتها التوضيحية المنشورة يوم 4 نونبر حول أهمية COP31. وتدعو المنظمة الحكومات إلى تجاوز التصريحات العامة نحو إجراءات ملموسة، معتبرة أن آثار التغير المناخي لا تقتصر على البيئة، بل تمتد إلى الحق في الحياة والماء والغذاء والصحة والسكن والثقافة ومستوى معيشي ملائم. وترى أن الفئات والمجتمعات الأقل مساهمة في الانبعاثات غالبا ما تتحمل قسطا كبيرا من الأضرار المناخية، وهو ما يجعل العدالة المناخية جزءا من النقاش المتعلق بحقوق الإنسان.

وتتمحور مطالب منظمة العفو الدولية حول ثلاثة اتجاهات أساسية: وقف التوسع في مشاريع الوقود الأحفوري وتسريع الانتقال العادل والشامل إلى مصادر الطاقة النظيفة، مع ضمان عدم تحميل العمال والمجتمعات المتضررة كلفة هذا التحول؛ وتفعيل آلية الانتقال العادل التي أُحدثت خلال مؤتمر COP30، مع توفير التمويل اللازم لها وإخضاعها للمساءلة وإشراك المجتمعات المعنية في اتخاذ القرار؛ ثم زيادة التمويل المناخي الذي تقدمه الدول ذات الدخل المرتفع والانبعاثات الكبيرة، خصوصا التمويل القائم على المنح، لتمكين الدول الأكثر هشاشة من التكيف مع التغيرات المناخية ومعالجة الخسائر والأضرار دون دفعها إلى مزيد من المديونية.
كما تثير المنظمة مسألة حماية المدافعين عن حقوق الإنسان المعنيين بالبيئة، معتبرة أن العدالة المناخية لا يمكن أن تتحقق في ظل التضييق على الأصوات التي تطالب بحماية الموارد الطبيعية أو تعارض المشاريع التي قد تلحق أضرارا بالمجتمعات المحلية. فمشاركة المجتمع المدني والسكان المتأثرين في القرارات البيئية ليست، وفق هذه المقاربة، مجرد مسألة إجرائية، بل شرط لضمان انتقال مناخي يحترم الحقوق ويستجيب لحاجات المجتمعات.
وتكتسب هذه النقاشات أهمية خاصة بالنسبة للمغرب، الذي يواجه تحديات متداخلة تتعلق بالإجهاد المائي وتراجع انتظام التساقطات وتأثير ذلك على النشاط الزراعي والأمن الغذائي. ورغم أن التساقطات المطرية المهمة التي عرفتها المملكة منذ أواخر نونبر 2025 ساهمت في تحسين وضعية الموارد المائية ودعم الموسم الزراعي لسنة 2026، فإن هذا التحسن لا يلغي الإكراهات البنيوية المرتبطة بندرة المياه وتفاوت توزيعها والضغط المتزايد على الفرشات المائية. وقد توقعت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة أن يبلغ إنتاج الحبوب بالمغرب خلال سنة 2026 نحو 6.3 ملايين طن، بزيادة تبلغ 16 في المائة مقارنة بمتوسط السنوات الخمس الماضية، في مؤشر على أثر الظروف المطرية الإيجابية في تعافي الإنتاج بعد مواسم اتسمت بالجفاف.
في المقابل، تؤكد منظمة الأغذية والزراعة أن المغرب يواجه ضغطا متزايدا على موارده المائية بسبب المناخ شبه الجاف والجفاف المتكرر والتفاوت المكاني والزماني للتساقطات، مشيرة إلى أن القطاع الزراعي يستحوذ على الحصة الأكبر من الطلب على المياه، بينما تتجاوز الاحتياجات الوطنية في بعض المجالات الموارد القابلة للتعبئة، الأمر الذي يرفع الضغط على المياه الجوفية. وكانت المنظمة قد شاركت، إلى جانب وزارتي الفلاحة والتجهيز والماء، في نقاش بالرباط يوم 15 يونيو 2026 حول ضرورة تعزيز التنسيق بين تدبير الموارد المائية والسياسات الزراعية، بما يضمن التوفيق بين الأمن المائي والأمن الغذائي.
وعلى مستوى الالتزامات الدولية، قدم المغرب في شتنبر 2025 مساهمته المحددة وطنيا في نسختها الثالثة (NDC 3.0)، متعهدا بخفض انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة 53 في المائة بحلول 2035 مقارنة بمستويات 2010، منها 21.6 في المائة بشكل غير مشروط، فيما يرتبط الجزء المتبقي بالحصول على الدعم الدولي. وتشمل أولويات التكيف الواردة في هذه المساهمة تدبير الموارد المائية وتحسين نجاعة الري، وتعزيز الزراعة الذكية مناخيا والأمن الغذائي، إلى جانب تطوير المدن والبنيات التحتية القادرة على الصمود وحماية التنوع البيولوجي. وهي التزامات تجعل مسألة التمويل ونقل التكنولوجيا وتوفير الخبرة التقنية جزءا أساسيا من قدرة المملكة على تنزيل أهدافها.
وتحضر التجربة المغربية أيضا ضمن برنامج المؤتمر؛ إذ يرتقب تنظيم لقاء في الجناح المغربي يوم 13 نونبر بمناسبة مرور عشر سنوات على تأسيس شراكة المساهمات المحددة وطنيا، التي أُطلقت خلال مؤتمر COP22 بمراكش سنة 2016، بمبادرة من المغرب وشركاء دوليين. كما يتضمن البرنامج لقاء آخر حول الانتقال من التخطيط إلى الاستثمار في العمل المناخي الترابي بالمغرب، تنظمه جمعية جهات المغرب وشركاؤها في اليوم نفسه. ويتيح هذان الموعدان فرصة لعرض التجربة المغربية في الربط بين التخطيط المناخي والتمويل والتنفيذ على المستوى الترابي.
وبينما تتواصل المفاوضات في أنطاليا، لن يقاس أثر المؤتمر بعدد البيانات الصادرة أو التعهدات المعلنة فقط، بل بمدى قدرة الدول على تعبئة التمويلات وتنفيذ البرامج التي تحمي السكان والموارد الطبيعية، وتحد من آثار الجفاف والفيضانات وتراجع الإنتاج الزراعي. وبالنسبة إلى المغرب، فإن الرهان يتجاوز تحسين مؤشرات الالتزامات المناخية إلى ضمان وصول آثار السياسات المعلنة إلى الفلاحين والمناطق القروية والفئات التي تواجه مباشرة كلفة الإجهاد المائي وتغير الظروف المناخية. فالأمن المائي والغذائي لم يعد ملفا قطاعيا منفصلا، بل أصبح في صلب النقاش حول التنمية والعدالة وحقوق الإنسان.


