«تمغربيت» بنية أمازيغية: بادئة التاء ولاحقة الياء والتاء. وجذرها عربي: «مغرب»، أي الجهة التي تغيب فيها الشمس. لم يُستشر أحد في هذا الزواج اللغوي، ولم يطلب أحد وثيقة تثبت أن الطرفين متفقان على الشروط. حدث الأمر بهدوء، كما تحدث الأشياء الكبرى في هذا البلد: بالتراكم لا بالمرسوم. من أراد أن يفهم المغرب فليبدأ من اسم هويته، لا من خلاف المتخاصمين عليها.
ما معنى أن يكون المغرب أولاً؟
شعار «المغرب أولاً» يُرفع في المهرجانات والمنصات، فيصير أحياناً ملصقاً يُلصق على كل شيء. لكن الفكرة، إذا أُخذت بجدية، لها وزن تاريخي ثقيل.
نحن لا نتحدث عن دولة وُلدت مع خرائط القرن العشرين. المغرب كيان سياسي متصل منذ أن أسس إدريس الأول دولته سنة 788م، أي أكثر من اثني عشر قرناً. تعاقبت عليه الأسر: الأدارسة والمرابطون والموحدون والمرينيون والسعديون والعلويون. تغيّرت العواصم والرايات، ولم يتغير السؤال الأصلي: كيف تدير بلداً بين جبال وصحارى وبحرين، وبين قبائل ومدن وزوايا، دون أن يتفتت؟
وقبل ذلك كله جاء تاريخ أطول. كان هنا جوبا الثاني وملوك موريطانيا الطنجية، وكان هنا أمازيغ يكتبون ويحكمون ويفاوضون الإمبراطوريات قبل أن يصل أحد ليشرح لهم معنى الدولة. أما قصة «بلاد بلا دولة» فتصلح لبلاد أخرى.
وهناك واقعة تُختصر فيها المسألة. المغرب هو البلد الذي لم تدخله الإمبراطورية العثمانية، وهو الذي اعترف مبكراً، في القرن الثامن عشر، باستقلال الولايات المتحدة. دولة بهذا العمر لا تحتاج إلى من يقنعها بأن لها شخصية. تحتاج فقط إلى من يذكّر أبناءها بها.
ما الذي يعنيه الانتماء لوطن قبل الانتماء لشعار؟
هنا يبدأ النقاش الحقيقي. فالوطنية تصير أحياناً مادة سهلة الاستهلاك: علم وأغنية وهاشتاغ. وبين الشعار والمؤسسات مسافة تُقاس بالمدارس والمستشفيات وفرص العمل. وقد دعا النشيد الذي حفظناه صغاراً، «إيه أمة المغرب»، أبناء البلد إلى النهوض وتجديد عهد الجدود. قبل عقود طويلة، لم يكن يرى القومية حفلة تذكارية. رآها مشروع عمل.
وهذه هي المفارقة اللاذعة: نحفظ دعوة النشيد إلى النهضة عن ظهر قلب، ونؤجل النهضة نفسها بكل ما أوتينا من صبر.
الخطر الذي يحمله اسم المغرب أولاً
القومية وصفة حساسة. جرعة منها تصنع تماسكاً وثقة بالنفس، وجرعة زائدة تصنع انغلاقاً. وأسهل طريق إلى الانغلاق أن يُفهم «المغرب أولاً» على أنه «المغرب وحده»، وأن تُقدَّم تمغربيت كهوية تُعرَّف بما تستبعده لا بما تجمعه.
والتاريخ لا يسعف أصحاب هذا الفهم. فالدولة المغربية لم تقم قط على مكوّن واحد:
- الإسلام هو الإطار الروحي الذي جمع القبائل حول شرعية مشتركة. ومؤسسة إمارة المؤمنين نتاج هذا التراكم، لا قطيعة عنه.
- العروبة حاضرة في اللسان والفقه والحضارة، وفي ارتباط قضايا المغرب بقضايا أمته. وتكفي لجنة القدس التي يرأسها الملك شاهداً على أن الحياد عن القضايا العربية لم يكن يوماً خياراً مغربياً.
- الأمازيغية جذر الأرض، لا طبقة تحتية يُعتذر عنها. وقد ترجم دستور 2011 هذا الاعتراف حين جعلها لغة رسمية، وجاء إقرار رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية ليؤكد أن الأمر لم يعد مجاملة ثقافية.
- إفريقيا ليست جغرافيا فحسب. من سجلماسة وتجارة الذهب إلى تمبكتو إلى الطريقة التيجانية، كانت الجنوب طريقاً مفتوحاً قبل أن يصير عنواناً في السياسة الخارجية، وقبل عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017.
وقد قال الدستور نفسه ذلك بوضوح: هوية مغربية موحدة تتكامل مكوناتها العربية الإسلامية والأمازيغية والصحراوية الحسانية، وتغتني بروافدها الإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية. ليس هذا نصاً إنشائياً، بل وصف دقيق لما أنتجه المغرب فعلاً.
قراءة في المدرجات
أبلغ تعبير عن تمغربيت لم يأتِ من بيان سياسي ولا من ندوة. جاء من مدرجات الدوحة في 2022. مشجع واحد يلوّح بالعلم المغربي، وفي يده الأخرى علم فلسطين، وعلى كتفه راية أمازيغية، ثم يُقبّل رأس أمه ويبكي على طريقة الأفارقة والعرب معاً. لا أحد من المشاهدين شعر بأن هناك تناقضاً. التناقض كان فقط في رأس من يبحث عن شجار نظري.
المغربي يستطيع أن يكون عربياً وأمازيغياً وإفريقياً ومتوسطياً قبل الظهر، ثم يختلف مع سائق سيارة الأجرة حول الطريق بعد الظهر. وهذا أصدق مقياس للانتماء: أن تكون قادراً على اجتماع هويات لا يجتمع مثلها في بلدان أخرى إلا بعد تفاوض شاق.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
أمام تمغربيت مسارات ثلاثة:
- شعاراً استهلاكياً. يرتفع في المناسبات ويخبو بعدها، دون أثر في السياسات.
- هوية مغلقة. تتحول إلى معيار للإقصاء، فتُقسّم المغاربة إلى «أصيل» و«دخيل» بحسب شروط يضعها كل فريق.
- مشروعاً جامعاً. يربط الاعتزاز بالتاريخ بمؤسسات قوية وعدالة اجتماعية وثقة في الكفاءات، ويُبقي الباب مفتوحاً على المحيطين العربي والإفريقي دون عقدة.
المسار الثالث وحده يليق بدولة عمرها أكثر من اثني عشر قرناً. وهو الوحيد الذي يجعل نداء «إيه أمة المغرب» يعني شيئاً أبعد من لحظة الإنشاد.
فالدول القديمة لا تُقاس بعدد شموعها، بل بقدرتها على أن تظل شابة. ومن يريد أن يكون المغرب أولاً حقاً، فليكن المغرب أولاً في المدرسة والمستشفى والعدالة والكرامة، قبل أن يكون أولاً في الأغاني.
