امرأة في الأربعين من عمرها، تجلس في ردهة إحدى المصحات بالدار البيضاء، تُقلّب في يدها فاتورة عملية جراحية بسيطة، تتجاوز كلفتها راتب موظف متوسط الأجر لثلاثة أشهر كاملة. لا أحد يسألها: هل تعرفين من يملك هذه المصحة؟ هل تعرفين إن كان الطبيب الذي عالجك هو نفسه من يحدد التسعيرة، أم أن هناك مجلس إدارة في مكان آخر يتحكم في القرار؟ الأسئلة لا تُطرح، لأن المنظومة برمّتها بُنيت على افتراض أن “الخاص” مرادف للجودة، وأن الجودة لا تحتاج إلى رقابة.
هذا الافتراض بالذات هو ما ينبغي تفكيكه اليوم.
من يملك، ومن يقرر؟
القطاع الصحي الخاص بالمغرب لم يعد مجرد عيادات فردية يديرها طبيب واحد بمساعدة ممرضة وسكرتيرة. تحوّل، خلال العقد الأخير، إلى مجموعات استثمارية متشعبة، بعضها مملوك لصناديق توظيف، وبعضها الآخر لتحالفات بين أطباء ورجال أعمال، وقسم ثالث يخضع لرساميل أجنبية دخلت السوق بعد الانفتاح التشريعي الذي سهّل ولوج الشركات الطبية الأجنبية واستثمارها في المصحات الخاصة. المشكلة ليست في تعدد أنماط الملكية بحد ذاته، بل في غياب إلزامية الإفصاح عن هذه الملكية أمام المريض والرأي العام. من يجلس في مجلس إدارة المصحة التي تعالجك؟ سؤال بسيط، لكن لا توجد منصة واحدة تجيب عنه بشفافية.
في المقابل، حين أعلن وزير الصحة أمين التهراوي وقف الإعانات الاستثمارية الحكومية الموجهة للمستشفيات الخاصة، بدا القرار كأنه اعتراف ضمني بأن العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص في هذا الملف كانت تحتاج إلى إعادة ضبط. فحين تُموَّل مؤسسات ربحية بأموال عمومية دون معايير واضحة لقياس العائد الصحي على المواطن، يصبح السؤال عن الرقابة أكثر إلحاحاً من السؤال عن الاستثمار.
نزيف الأطباء: حين يصبح القطاع العام مشتلاً للقطاع الخاص
لا يمكن الحديث عن مراقبة القطاع الخاص دون المرور عبر الظاهرة التي تغذيه يومياً: هجرة الأطر الطبية من المستشفيات العمومية نحو المصحات. طبيب تكوّن على نفقة دافع الضريبة، في كليات الطب العمومية وبمستشفيات جامعية تديرها الدولة، يجد نفسه بعد سنوات قليلة يمارس في القطاع الخاص، حيث يمكن أن يحقق في الشهر الواحد ما يعادل عشرات أضعاف راتبه كموظف عمومي. هذا ليس خطأ فردياً يُلام عليه الطبيب، بل نتيجة منطقية لمنظومة حوافز مختلة: من يبقى في القطاع العام يتحمل عبء الاكتظاظ ونقص التجهيزات، ومن يغادره يجد سوقاً شبه خالية من الضوابط الصارمة على الأسعار والممارسات.
النقابات والجمعيات المهنية للأطباء الخواص خاضت في السنوات الأخيرة مواجهات متكررة مع وزارة الصحة، بعضها حول السماح لأطباء القطاع العام بالاشتغال جزئياً في الخاص، وبعضها الآخر حول اتهامات متبادلة بشأن من يتحمل مسؤولية اختلالات المنظومة الصحية برمّتها. جمعية المصحات الخاصة نفسها ردّت مؤخراً على انتقادات موجهة من فاعلين سياسيين، مؤكدة أن الإصلاحات الهيكلية لم تتحقق إلا في السنوات الأخيرة، في مسعى للدفاع عن صورة قطاع يوصف أحياناً بأنه “دولة داخل الدولة” الصحية.
مفارقة التأمين الإجباري: من يدفع فعلياً؟
منذ تعميم التغطية الصحية الإجبارية (AMO)، ارتفع عدد المؤمَّنين الذين يقصدون القطاع الخاص، على أساس أن التأمين سيتكفل بجزء من الفاتورة. لكن ما لا يُقال بوضوح كافٍ هو أن كثيراً من المصحات تفرض تعريفات تفوق بأشواط السقف الذي تعترف به الوكالة الوطنية للتأمين الصحي، مما يجعل “الباقي على عاتق المريض” عبئاً حقيقياً يتحمله جيب المواطن رغم اشتراكه الشهري في التأمين. بعبارة أخرى: التأمين الإجباري لم يُلغِ الفاتورة الباهظة، بل خفّض جزءاً بسيطاً منها فقط، تاركاً الفارق ليُسدَّد من قدرة شرائية أصلاً منهكة.
هنا تكمن المفارقة الأكثر إثارة للقلق: كلما زاد عدد المؤمَّنين المتوجهين نحو القطاع الخاص، كلما ازدادت أرباح هذا القطاع، دون أن يقابل ذلك تحسّن موازٍ في آليات مراقبة التسعير. النظام صُمم لتوسيع السوق، لا لضبطها.
الرقابة القائمة: هيئات كثيرة، سلطة فعلية محدودة
نظرياً، هناك أكثر من جهة معنية بمراقبة القطاع الخاص: وزارة الصحة عبر مصالحها الجهوية، الوكالة الوطنية للتأمين الصحي، المجلس الوطني لهيئة الأطباء، وحتى مجلس المنافسة حين يتعلق الأمر بممارسات احتكارية محتملة في بعض التخصصات النادرة. لكن تعدد الجهات، في غياب تنسيق مؤسساتي واضح، يُنتج في الغالب فراغاً رقابياً وليس تعدداً في الحماية. كل جهة تحيل المسؤولية على الأخرى، والمريض هو من يدفع ثمن هذا التيه الإداري.
السؤال الذي يجب أن يُطرح بجرأة أكبر داخل النقاش العمومي: هل تملك هذه الهيئات صلاحيات فعلية لفرض عقوبات رادعة على مصحة تتلاعب بالتسعيرة أو تُخفي بنية ملكيتها؟ أم أن الأمر يقتصر على بلاغات صحفية وتوصيات لا تُلزم أحداً؟
كلمة أخيرة
حين يتحول المستشفى، عمومياً كان أو خاصاً، إلى مساحة يُطرح فيها سؤال الربح قبل سؤال الشفاء، تصبح مسألة “من يملك ومن يراقب” قضية وطنية بامتياز، لا تفصيلاً تقنياً يُترك للخبراء وحدهم. فهل نحن مستعدون، كمجتمع ومؤسسات، لفرض شفافية كاملة على ملكية القطاع الصحي الخاص وتسعيرته، أم أن الأجيال القادمة ستظل تدفع فاتورة صمتنا اليوم بصحتها؟

رجلٌ جعل من الإيجابية فلسفة، ومن الفعل طريقا، ومن الإنسان غاية
