الساعة قاربت الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، والنتائج ما زالت أولية. الأرقام قابلة للتعديل، عكس صفارة الحكم التي لا رجعة فيها.
لو سألتَ محللاً سياسياً قبل شهرين عن نتيجة هذه الليلة، لأجابك بثقة كبيرة، ثم اضطر الليلة إلى تعديل إجابته أكثر من مرة. الأصالة والمعاصرة في صدارة عدد كبير من الدوائر، والعدالة والتنمية يعود إلى الواجهة دون أن يطرق الباب، والتجمع الوطني للأحرار الذي تصدر 2021 بـ102 مقعد يبحث عن مكانه في الترتيب.
لقجع: وزير الميزانية الذي صار مدرباً سياسياً
التحق فوزي لقجع بالأصالة والمعاصرة في يوليوز، وهو وزير منتدب مكلف بالميزانية ورئيس الجامعة الملكية لكرة القدم، ثم صار عضواً في مكتبها السياسي. وقد جاء بعد لقاء مع القيادة الجماعية للحزب، وجال في الجهات، وحضر النقاش الانتخابي من أول يوم. وبعد أسابيع قليلة، وصفته صحيفة إيطالية بأنه “الرجل الذي يعيد توزيع الأوراق”. وهذا وصف مناسب لشخص اعتاد إعادة توزيع الكرات بين الأجنحة.
الطريف أنه لم يترشح، فاختار مقعد المدرب لا مقعد اللاعب. ومن يعرف الكرة يعرف أن بعض المدربين يفوزون بالمباريات من الخط الجانبي.
وقد بدأت الصورة الوطنية تتضح. فحسب نتائج أولية وشبه نهائية، تصدر البام دوائر مراكش الثلاث بعد فرز تجاوز 90% في كل منها، وتصدر مدينة فاس، وجاء أولاً في دائرتي الرباط حسب وزارة الداخلية بعد فرز ثلثي الأصوات. أما تعليق أحد قيادييه بأن النتائج “جد إيجابية” فيمكن اعتباره أدنى ما يمكن أن يقال في ليلة كهذه.
وللإنصاف، لا تُنسب الصدارة إلى شخص واحد. وراء الحزب تنظيم وقيادة جماعية ومرشحون وحملة. لكن حضور لقجع أعطى الحملة حرارة وجعل الحزب الأكثر تداولاً في الأسابيع الأخيرة. وفي السياسة كما في الكرة، الجمهور يتذكر من سجل الهدف ومن صنع التمريرة الأخيرة.
بنكيران: عودة من لم يغب
في الجهة المقابلة، عاد العدالة والتنمية بقوة. تشير معطيات أولية إلى تصدره عين الشق بالدار البيضاء، حيث قادت الدائرة أمينة ماء العينين، وإلى صدارته أو تقدمه في أكادير وسلا وتمارة وطنجة والرشيدية حسب مصادر حزبية نقلتها الصحافة. وبعد التراجع الكبير في انتخابات 2021، تبدو هذه الليلة استراحة طويلة انتهت.
ولا يمكن الحديث عن هذه العودة دون ذكر عبد الإله بنكيران، الذي لا يحتاج إلى مكبر صوت لإسماع صوته. عاد إلى الواجهة بأسلوبه المعروف: جملة قصيرة وضحكة في منتصفها وحكمة شعبية في آخرها. ولو كان للخطابة الشعبية جمعية مهنية لكان رئيسها الدائم، وربما بلا منافس.
لكن العودة لا تُفسَّر بالخطابة وحدها. الناخب يقارن ويسأل ويعاقب، وربما يحن أيضاً. وحتى إدريس الأزمي، وهو من أبرز قياديي الحزب، وصف نسبة المشاركة بأنها “مؤلمة” وحمّل الحكومة المسؤولية. والصناديق الفارغة رسالة أيضاً، ومن الحكمة أن يقرأها الفائز قبل الخاسر.
الأحرار: استراحة بين الشوطين
وفي المقابل، لم تكن الليلة كلها سيئة على التجمع الوطني للأحرار. فقد تصدر دائرة تطوان بفارق ضئيل عن العدالة والتنمية، وانتزع عدد من وزرائه وقيادييه مقاعد في دوائرهم حسب نتائج مؤقتة. غير أن الحزب لم يظهر ضمن المراتب الثلاث الأولى في دوائر مراكش، وجاء ثالثاً في عين الشق، وتراجع في أكثر من دائرة حضرية. ومن يقود الحكومة خمس سنوات يتحمل حساب خمس سنوات، وهذه قاعدة لا تستثني أحداً في أي ديمقراطية.
خلاصة الليلة
الأصالة والمعاصرة لديها ما تفرح به، والعدالة والتنمية لديه ما يبتسم له، والأحرار أمامهم وقت للمراجعة. لكن الحكم مبكر. الفرز مستمر، والتمثيل النسبي يحسب المقاعد لا الدوائر المتصدَّرة، وتوزيع المقاعد النهائي سيُعلن رسمياً من وزارة الداخلية. وبعد ذلك يبقى الدستور هو الفيصل في اختيار رئيس الحكومة من الحزب المتصدر.
وإلى ذلك الحين، لا بأس أن نتذكر أن الانتخابات ليست مباراة فقط. في الكرة يفوز طرف وتنتهي القصة، أما في السياسة فيفوز طرف وتبدأ الأشغال الحقيقية.

رجلٌ جعل من الإيجابية فلسفة، ومن الفعل طريقا، ومن الإنسان غاية
