شعار جريدة البوصلة

بعد تصدر “البام”.. من يصنع الأغلبية ومن يقود المعارضة؟

انتخابات (2)

لم تنته انتخابات 23 شتنبر بمجرد إعلان حزب الأصالة والمعاصرة تصدره نتائج الاقتراع، بل فتحت، منذ الساعات الأولى لإعلان الأرقام، مرحلة سياسية جديدة عنوانها الأبرز: كيف ستتحول صدارة “البام” الانتخابية إلى أغلبية حكومية؟ ومن سيجلس إلى جانبه في الحكومة؟ ومن سيجد نفسه في المعارضة؟ ثم أي شخصية ستقود المرحلة باسم الحزب المتصدر؟

الأرقام التي أعلنها وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت صباح الخميس وضعت الأصالة والمعاصرة في المرتبة الأولى بـ97 مقعدا، متبوعا بالتجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدا، ثم الاستقلال بـ65، فالعدالة والتنمية بـ54 مقعدا. وحصلت الحركة الشعبية على 29 مقعدا، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على 26، والتقدم والاشتراكية على 19، والاتحاد الدستوري على 17، فيما نالت الحركة الديمقراطية الاجتماعية وتحالف اليسار 8 مقاعد لكل منهما، وجبهة القوى الديمقراطية وحزب الإنصاف مقعدين لكل واحد، وحصل كل من الديمقراطيين الجدد والوحدة والديمقراطية على مقعد واحد. وكانت وزارة الداخلية قد وصفت توزيع المقاعد المعلن بأنه مؤقت، مقابل إعلان نسبة المشاركة الوطنية، البالغة 38.08 في المائة، بصيغتها النهائية.

وبالمقارنة مع انتخابات 2021، رفع “البام” رصيده من 87 إلى 97 مقعدا، بينما تراجع التجمع الوطني للأحرار من 102 إلى 66، والاستقلال من 81 إلى 65، في وقت قفز فيه العدالة والتنمية من 13 إلى 54 مقعدا. وبذلك لم تتغير المراتب فقط، بل أعيد توزيع جزء مهم من الثقل البرلماني بين القوى الأساسية: صدارة جديدة لـ”البام”، تراجع كبير للأحرار، تقارب عددي بين الأحرار والاستقلال، وعودة قوية للعدالة والتنمية إلى مجلس النواب.

غير أن صدارة “البام” لا تعني، حسابيا أو دستوريا، امتلاكه أغلبية جاهزة. فمجلس النواب يتكون من 395 مقعدا، والحكومة لا تصبح منصبة إلا بعد حصول برنامجها على ثقة مجلس النواب بالأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم المجلس، أي 198 صوتا على الأقل. وبذلك، يحتاج الحزب المتصدر، إذا أراد تأمين هذه الأغلبية، إلى استقطاب ما لا يقل عن 101 مقعد إضافي.

وهنا تنتهي لغة النتائج وتبدأ لغة السياسة.

فأقرب الحسابات، من الناحية العددية، تعيد إلى الواجهة مكونات الأغلبية الحكومية التي اشتغلت خلال الولاية السابقة. فالجمع بين الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال يمنح 228 مقعدا، أي أكثر بـ30 مقعدا من العتبة المطلوبة للتصويت على البرنامج الحكومي. وهذه التركيبة ليست غريبة عن التجربة السياسية الأخيرة، إذ سبق للأحزاب الثلاثة أن شكلت الأغلبية الحكومية المنتهية ولايتها، لكن المعادلة تغيرت جذريا: الحزب الذي كان يقود الحكومة أصبح ثانيا، والحزب الذي كان شريكا ثانيا أصبح في الصدارة.

وهنا يكمن أول اختبار حقيقي لـ”البام”: هل ستنتقل شراكة الأمس إلى حكومة يقودها الحزب الذي أصبح اليوم متصدرا؟ وهل يستطيع الأحرار، بعد خسارة 36 مقعدا مقارنة بـ2021، أن ينتقل من موقع قيادة الحكومة إلى موقع الشريك فيها؟ وفي المقابل، هل سيكون الاستقلال، الذي لا يفصله عن الأحرار سوى مقعد واحد، ورقة تفاوضية أساسية في تحديد شكل الأغلبية المقبلة؟

لا توجد، في الحسابات الحالية، تركيبة وحيدة ممكنة. فـ”البام” يستطيع، من حيث العدد، بلوغ عتبة الأغلبية عبر صيغ متعددة، سواء بإبقاء الأحرار والاستقلال إلى جانبه، أو بالبحث عن تركيبات تضم الاستقلال وقوى أخرى، أو بإدخال العدالة والتنمية في معادلة حكومية غير مسبوقة بين حزبين طبعا المشهد السياسي المغربي لسنوات طويلة من موقع التنافس الحاد. ولهذا فإن الـ97 مقعدا لا تمنح “البام” حكومة جاهزة بقدر ما تمنحه موقع المبادرة في مفاوضات تشكيلها.

وهذا الانفتاح ليس بلا سابقة في خطاب الحزب. فقد سبق لعبد اللطيف وهبي، حين كان أمينا عاما للأصالة والمعاصرة، أن أكد أن جميع التحالفات والمناقشات ممكنة وأن الحزب منفتح على الجميع، معتبرا أن الاختلافات مع بعض الأحزاب يمكن أن تبقى ظرفية، وربط أي تحالف بالحوار وبالبرنامج المشترك. كما أكدت فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية للحزب، قبل الانتخابات أن “البام” لا يضع خطوطا حمراء أمام الأحزاب، وأن تقارب المشاريع والبرامج سيكون معيارا أساسيا لبناء أي تحالف حكومي.

لكن الفرق بين ما قبل الانتخابات وما بعدها كبير. قبل 23 شتنبر كان الانفتاح مجرد هامش سياسي ضمن حملة انتخابية؛ أما بعد تصدر النتائج، فقد أصبح موقفا ينبغي أن يترجم إلى مفاوضات فعلية حول البرنامج الحكومي، وحجم المشاركة، وتوزيع المسؤوليات، وحدود التنازلات التي يمكن أن يقدمها كل طرف.

ويكتسب العدالة والتنمية في هذه المعادلة أهمية خاصة. فعودته من 13 مقعدا في 2021 إلى 54 مقعدا في الانتخابات الحالية تمثل أحد أكبر التحولات في الخريطة البرلمانية الجديدة، وتعيد الحزب من موقع التراجع الشديد إلى موقع يمكنه من التأثير في موازين الأغلبية والمعارضة معا.

رياضيا، يمكن للعدالة والتنمية أن يدخل في عدد من التركيبات الممكنة إلى جانب “البام”. لكن الانتقال من الحساب العددي إلى التحالف السياسي شيء آخر، خصوصا بالنظر إلى التاريخ الطويل للتنافس بين الحزبين وموقع كل منهما في الخريطة السياسية. لذلك فإن دخوله إلى الحكومة، إن حصل، سيكون رهينا بتفاهم سياسي وبرنامجي واضح، وليس بمجرد حاجة حسابية إلى المقاعد.

وفي حال بقي خارج الحكومة، فإن الـ54 مقعدا التي استعادها سياسيا ستمنحه موقعا وازنا في المعارضة، لكن ذلك لا يعني تلقائيا أنه سيكون “قائد المعارضة”. فالدستور يتحدث عن المعارضة البرلمانية باعتبارها مكونا مؤسساتيا له حقوق وضمانات، ولا يمنح منصبا دستوريا مستقلا باسم “زعيم المعارضة”. ومن ثم فإن السؤال الأدق سيكون: من سيكون المكون الأكبر في المعارضة؟ وكيف ستتوزع أدوارها وفرقها ومواقفها داخل البرلمان؟

وتزداد أهمية هذا السؤال إذا انتهى التجمع الوطني للأحرار إلى خارج الحكومة. فالحزب، بـ66 مقعدا، سيكون عندها الكتلة الأكبر عددا بين مكونات المعارضة، متقدما بمقعدين فقط على الاستقلال وبـ12 مقعدا على العدالة والتنمية. أما إذا شارك الأحرار في الحكومة، فإن العدالة والتنمية سيصبح أحد أبرز مكونات المعارضة بـ54 مقعدا، إلى جانب أحزاب أخرى قد تختار تموقعا معارضا بدرجات وأشكال مختلفة.

وهكذا فإن القرار المتعلق بموقع الأحرار لن يحسم فقط تركيبة الحكومة، بل سيعيد رسم خريطة المعارضة أيضا. والأمر نفسه ينطبق على الاستقلال، الذي يوجد في منطقة وسطى شديدة الحساسية: 65 مقعدا تضعه قريبا جدا من الأحرار، وتمنحه وزنا عدديا يجعل تموقعه واحدا من المفاتيح العملية لأي هندسة برلمانية مقبلة.

وفي مقابل هذه الحسابات الكبرى، جاءت نتيجة تحالف اليسار لتضيف عنصرا آخر إلى المشهد. فالتحالف الذي تأسس بين فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد دخل البرلمان بـ8 مقاعد وفق النتائج المعلنة، مع عودة نبيلة منيب إلى مجلس النواب. وهذه النتيجة تمنح اليسار المتحالف حضورا مؤسساتيا مختلفا عن الانتخابات السابقة، وإن كانت لا تعني تلقائيا ذوبان بقية المكونات اليسارية في تموقع واحد.

كما أن وجود 26 مقعدا للاتحاد الاشتراكي و19 للتقدم والاشتراكية، إلى جانب 8 لتحالف اليسار، يجعل الحضور المحسوب على اليسار والديمقراطيين أكثر تنوعا داخل المجلس الجديد. غير أن التحدي بالنسبة إلى هذه القوى لن يكون عدد المقاعد فقط، بل مدى قدرتها على تحويل هذا التمثيل إلى أداء برلماني مؤثر، سواء في مراقبة الحكومة أو التشريع أو الدفاع عن قضاياها السياسية والاجتماعية.

صورة تعبيرية (7)

أما داخل “البام” نفسه، فإن صدارة الحزب ستفتح سؤالا موازيا لا يقل أهمية: من سيقود الحكومة إذا انتهى المسار الدستوري إلى تكليف شخصية من الحزب؟

الفصل 47 من الدستور واضح في نقطة أساسية: الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها. لكن ذلك لا يعني أن اسم رئيس الحكومة يُحسم آليا بمجرد إعلان ترتيب الأحزاب؛ فاختيار الشخصية يظل جزءا من المسار الدستوري والسياسي الذي يلي النتائج.

ومن هنا عاد النقاش حول عدد من الأسماء داخل “البام”، أبرزها فاطمة الزهراء المنصوري ومحمد المهدي بنسعيد وفوزي لقجع، دون أن يكون هناك، إلى حدود الآن، ما يحسم رسميا أي اسم. المنصوري تتولى تنسيق القيادة الجماعية للحزب ووضعت سابقا مسؤولية رئاسة الحكومة ضمن النقاش المرتبط بتصدر الحزب، بينما كان لقجع قد قال في حوار نشرته “جون أفريك” قبل الانتخابات إنه لم يفكر في تولي رئاسة الحكومة، وأن الأولوية بالنسبة إليه كانت مساعدة “البام” على تصدر الانتخابات. أما بنسعيد فيظل واحدا من أبرز الوجوه الحكومية والحزبية في المرحلة الحالية.

لكن المسألة لا تختزل في مقارنة الأسماء. فالشخصية التي ستقود الحكومة، إذا تم اختيارها من الحزب المتصدر، ستحتاج إلى ترجمة الـ97 مقعدا إلى تحالف قابل للاستمرار، وصياغة برنامج حكومي قادر على جمع مكونات الأغلبية، ثم إدارة مرحلة سياسية ستتداخل فيها ملفات اقتصادية واجتماعية ومؤسساتية كبرى. لذلك فإن اختبار “البام” ليس فقط في اختيار اسم رئيس الحكومة، بل في قدرته على الانتقال من حزب تصدر الانتخابات إلى حزب يقود ائتلافا حكوميا منسجما.

وفي خلفية كل هذه الحسابات، يوجد رقم آخر سيكون من الصعب تجاهله: 38.08 في المائة كنسبة مشاركة وطنية، مقابل 50.86 في المائة سنة 2021 و42.27 في المائة سنة 2016. وبالتالي فإن البرلمان المقبل سيدخل ولايته بخريطة حزبية أعيد ترتيبها بصورة كبيرة، لكن في ظل مشاركة انتخابية أقل من الاستحقاقين السابقين، وهو معطى سيظل حاضرا في أي نقاش حول التمثيلية السياسية والحزبية.

النتيجة الأهم إذن ليست أن “البام” تصدر فقط، بل أن الصدارة نفسها لا تكفي لصناعة الحكومة. الـ97 مقعدا تضع الحزب في مقدمة المسار الدستوري والسياسي، لكنها تفرض عليه في الوقت ذاته جمع 101 مقعد إضافي على الأقل لتأمين الأغلبية المطلقة المطلوبة لتنصيب الحكومة عبر التصويت على برنامجها.

الأحرار أمام خيار المشاركة في حكومة يقودها حزب لم يعد شريكا ثانيا، بل أصبح صاحب الصدارة. والاستقلال يحتفظ بوزن برلماني يجعله أحد مفاتيح التفاوض. والعدالة والتنمية عاد بقوة إلى البرلمان، ويمكن أن يكون جزءا من معادلة الأغلبية أو أحد أبرز مكونات المعارضة. وتحالف اليسار دخل المؤسسة التشريعية بحضور جديد، فيما تتوزع بقية المقاعد بين أحزاب يمكن أن تلعب أدوارا متفاوتة في تشكيل التوازنات المقبلة.

وفي النهاية، يكون صندوق الاقتراع قد حسم سؤال الصدارة، لكنه لم يحسم أسئلة السلطة البرلمانية والسياسية التي تليها.

من سيشكل مع “البام” أغلبية الـ198؟ من سيجلس إلى جانب الحزب المتصدر في الحكومة؟ من سيبقى خارجها؟ وكيف ستتشكل المعارضة داخل مجلس النواب؟ ثم من هي الشخصية التي سيختارها المسار الدستوري لقيادة الحكومة المقبلة؟

من صباح 24 شتنبر، لم يعد النقاش حول من تصدر الانتخابات، بل حول ماذا سيفعل المتصدر بالصدارة. فالمقاعد الـ97 أعطت “البام” موقع الانطلاق، أما تشكيل الحكومة وصياغة الأغلبية وتحديد شكل المعارضة، فتلك معارك سياسية جديدة بدأت فعليا بعد إعلان النتائج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *